الاثنين، 12 يناير 2015

كريستيان غازي: أحد أهمّ رواد السينما اللبنانية في القرن العشرين

رحل السينمائي والشاعر والموسيقي اللبناني الكبير، كريستيان غازي (1934 - 2013)، الذي بكى حين أمسك بفيلمه الوحيد الناجي من نيران الحرب الأهلية في العام 1964. رحل أحد رموز المثقفين اليساريين بلبنان إثر أزمة صحية انتابته أيام البرد العاصف الذي يمرّ على بلاد الشام. كريستيان غازي، المولود في أنطاكيا من أب لبناني وأم فرنسية في العام 1934، كان في الخامسة من عمره حين حطّ رحاله في المدرسة اليسوعية في بيروت التي كانت تحظِّر على تلامذتها النطق بكلمة عربية، ثم دخل جامعة الـ “ألبا” طالباً يدرس الموسيقى تأليفاً وكتابة. لكنّه سرعان ما توجه إلى الإخراج السينمائي، فجال على مدارس سينمائية بين ميونيخ في ألمانيا وفرنسا وروسيا. عمل في “تلفزيون لبنان والمشرق” (دُمج عام 1977 مع “شركة التلفزيون اللبنانية” ليصير “تلفزيون لبنان”) حيث تولّى الأفلام الوثائقية. وأول أعماله التسجيلية كان “راشانا” (1961) عن النحّات ميشال بصبوص. في العام 1964، طلبت منه وزارة السياحة إعداد سلسة أفلام وثائقية تهدف إلى تشجيع السياحة في لبنان. “أنهيت الأفلام. قالوا إنّ لجنة مراقبة ستشاهدها. اللجنة كانت من المكتب الثاني (الاستخبارات العسكرية)، شاهدت الأفلام واتخذت قراراً بحرقها: 12 فيلماً أُحرقت عند باب التلفزيون أمام عينيّ”، قال غازي يوماً بحرقة وغصة كبيرتين في مقابلة صحافية معه. وأنجز عددا من الأفلام السينمائية المصنفة بين الأفلام الوثائقية النضالية والأفلام الروائية ذات التوجه التجديدي لسينما المؤلف، وقد ضاعت معظم هذه الأفلام أو صودرت. وأعيد في الفترة الأخيرة اكتشاف فيلمه المعروف “مئة وجه ليوم واحد”. وقد تناولت أفلامه العديد من القضايا منها الحرب الأهلية والأزمة اللبنانية، خاصة المقاومة ومواضيع اللاجئين الفلسطينيين والحياة في المخيمات التي أخذت الحيز الأكبر من مواضيعه السينمائية. اشتهر كريستيان غازي بفيلمه الروائي الطويل “مائة وجه ليوم واحد” (1971) (بطولة جلال خوري، مادونا غازي، ريمون جبارة، منى واصف...) الذي اعتُبر من أوائل الأفلام العربية الطليعية، على مستوى السرد الفني والمضمون السياسي والاجتماعي، ونال الفيلم العديد من الجوائز، لعل من أهمها جائزة النقاد بـ«مهرجان دمشق الدولي الأول لسينما الشباب” (1972).
وكان غازي أخرج وأنتج فيلمه “الفدائيون” (1967)، مقتبس عن مسرحية بريشت “بنادق الأم كارارا”، وتضمنت أفلامه الوثائقية مثل “الحياة في المخيمات”، “الوجه الآخر للاجئين”“لماذا المقاومة؟” لقاءات مع غسان كنفاني وصادق جلال العظم، وأعلام في السياسة والثورة والثقافة، في تلك الفترة. ولكن هذه الأفلام تعرّضت لعملية إبادة بالإحراق، كما سُحبت منه الجائزة التي نالها في دمشق، بدعوى أنه لا يستحقها. في تلك الفترة أيضاً، كان كريستيان غازي يحاول التعبير عن رأيه في قصائد بالفرنسية، فأصدر 3 دواوين بعنوان “Poetique 1,2,3” . ثم نشر ديوان عبارة عن قصيدة طويلة. وقد خاض غمار الغناء الأوبرالي بالإيطالية والألمانية والفرنسية. كما جرّب التمثيل في أفلام قليلة أهمها “المرابون”،  فنياً، تلقى كريستيان غازي الضربة القاضية العام 1983 حين أحرق مسلحون في محلة بربور “نيغاتيف” كلّ أفلامه. “43 فيلماً أُحرقت بكاملها وتدفأوا عليها. بعدها توقّفت. كانت صدمة أن تشتغل كل حياتك منذ 1960 ثم يأتي أحدهم، وبمنتهى البساطة يحاول أن يتدفأ على تعبك وجهدك. كنت أنتظر أن تنتهي الحرب حتى أطبعها”، كما قال غازي.
تميّز كريستيان غازي بمفارقته السائد، ومعاندته في سبيل تحقيق سينما عربية، غير تجارية، ذات هموم وطنية، وأفكار تقدمية. في سجله أفلام عدّة عن اللاجئين خلال الحرب الأهلية، وقد بقي ملتزماً بقضايا الفقراء حتى آخر أيام حياته. وفي “الفترة الأخيرة، كانت لديه مشاريع لأفلام، أهمها اللاجئون السوريون والفلسطينيون”، إلا أن غياب التمويل حال دون ذلك. آخر أفلامه “نعش الذاكرة” قام بإخراجه عام 2001، وفي هذا الوثائقي، أوجز غازي حياته على مدى 45 دقيقة، ليتمحور حول الوضع الاقتصادي والوحدة التي عاشها حتى آخر أيامه.. رحل كريستيان غازي، محافظاً على مبادئه وكرامته ومناصراً للقضية الفلسطينية واليسار والعدالة الاجتماعية.
محمدعبيدو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق