السبت، 28 مارس 2015

ستانلي كوبريك : سيرة حياته وأعماله

محمد عبيدو 

" ستانلي كوبريك : سيرة حياته وأعماله 
تــــــــرك كوبريــــــك فِيَّ أثــــــــرا خرافيـــــــا في ضخـــــامتــــــــه من بين أقــــرانـــــــــه في جيـــــــل الشبـــــــاب" 
اورسون ويلز 

سينما المخرج "ستانلي كوبريك" الذي رحل في اذار 1999 لا يمكنها ان تقوم إلا على أساس سوء التفاهم شأن كل فن كبير وحقيقي، فقد اتسم هذا المبدع بانتقائية مدهشة، و خاض خلال ما يقرب من نصف قرن - هو عمر تجربته السينمائية- وعبر ثلاثة عشر فيلما، العديد من الأنواع التي عرفت بها السينما الهوليوودية، من سينما الحرب، إلى أفلام العصابات إلى سينما الاستعراض التاريخي، فحكايات الغرام والخيال العلمي، إلى سينما الرعب.. واكتشف وأسس الكثير من عناصر السينما التي بدأ العديد من المخرجين بأخذها كمحطة أولى لبدء أفلامهم منها، فمثلاً في أحد أوائل أفلامه (القتل) عام 1956 ابتكر طريقة التقطيع والربط السريع في أحداث الجرائم، وفي عام 1969 (2001: ملحمة فضائية) صور حياة الفضاء بمؤثرات صارت قدوة لكل صانعي أفلام الخيال العلمي، وفي معظم أفلامه هناك حالة نفسية غريبة في أحد أشخاصه، كما ان سينماه، باستثناء فيلميه(خوف ورغبة)و(قبلة القاتل)، اتكأت على أعمال أدبية بارزة مثل«لوليتا» لفلاديمير نابوكوف، و«سبارتاكوس» لهوارد فاست، و«أوديسا الفضاء» لآرثر سي كلارك، و«البرتقالة الآلية» لأنطوني بارغس وغيرها، ،والأمر الآخر في مسيرة هذا المبدع هو انه، ومنذ رحيله عن الولايات المتحدة مطلع الستينيات واختياره العيش في بريطانيا، عرف باعتزاله العالم بشكل يكاد يكون نسكيا، فهو نادرا ما قابل أحدا، ولم يسافر على الإطلاق، ولم يقبل التكريم.
ان هذا الكتاب، الذي قام بتأليفه " فنسنت لوبرتو " وترجمه الى العربية "علام خضر " وصدر في 695 صفحة ضمن سلسلة الفن السابع عن المؤسسة العامة للسينما بدمشق ، هو السيرة الاولى الشاملة عن حياة ستانلي كوبريك احد عمالقة الاخراج السينمائي في القرن العشرين وقد انصب هدف المؤلف على تفنيد هذا الغموض والاساطير المحاكة حول العبقرية السينمائية كوبريك من خلال سرد حياته بدءا من ولادته في مقاطعة (بروكنس) بنيويورك عبر عقود من انجازاته السينمائية الى المفهوم الحالي المبالغ به حول اعتباره مخرجا مبدعا معتكفا يعيش في حالة من النسيان، وبعد اربع سنوات من البحث المكثف والمقابلات التي اجراها المؤلف مع كل معارف ستانلي كوبريك وكل من شارك في اعماله"، وجد أن هذا الغموض والاساطير تخبو في مجرد انسان حقيقي ".
شهد ستانلي كوبريك كرحالة سينمائي ثلاث حروب وتمرد العبيد قديما بالاضافة الى مواجهة نووية لاعقلانية بين القوى العظمى، وقد عبر في رحلته العالم السفلي في المناطق الحضرية، واستكشف خفايا الرغبة الجامحة التي تستحوذ على بروفسور تجاه محظيته الصغيرة، وسافر عبر الكون وما وراء حدوده، كما زار المستقبل القريب حيث ساد العنف المفرط وسافر عبر الزمن الى القرن الثامن عشر ، وتناوب بين الماضي والحاضر في فندق تسكنه الاشباح في كولورادو ، قام كوبريك بكل هذه الرحلات السينمائية مع أنه قضى نصف حياته الشخصية والعملية تقريبا في ريف لندن بانكلترا .
لم يدرس كوبريك السينما وانما علاقته بها ابتدأت من حضوره المتواصل لدور السينما عندما كان طالبا في الثانوية " فستانلي كوبريك الشاب كانت لديه بالفعل جرأة التفكير على مقدرته صناعة افلام موازية ان لم تكن افضل من تلك التي تنتجها مصانع هوليوود ، فكوبريك الشاب كان يعتقد انه قادر على الافلام السينمائية ، وقد دفعه خيار من اللاوعي أن يشاهد كل ما يتعلق بالسينما ، كما علمه تفكيره المنطقي وفضوله المتنامي بأن لا يسترسل بعواطفه في انتقاء الافلام بناء على النجم السينمائي أو نوع الفيلم ، وبدأ بمشاهدة كل الافلام لان فيها شيئاً ما يجب أن يتعلمه " .
ابتدأ الشاب كوبريك مهنته كمصور صحفي عام 1946 ، وسرعان ما اصبح صانع افلام ولد من روح فوتوغرافية ، ان طبيعة التصوير الفوتوغرافي بحد ذاتها من ضوء وعمق وفراغ وتكوين وقياس الواقع الذي تدركه عين المصور تنبض في كل فيلم اخرجه كوبريك ، فهو يعتبر " عاشقا للسينما ونصب نفسه مؤرخا سينمائيا يتمتع بمعرفة واسعة وشغف كبير بماضي السينما وحاضرها ومستقبلها ، هذا وتظهر دراية كوبريك ومعرفته التقنية والجمالية للفن ومهنة التصوير الفوتوغرافي كوسيط في كل لقطة ومشهد من تاريخ أفلامه السينمائية "
بلغ كوبريك سن النضج عام 1950 وكان مستعدا لتوديع دور العبقري الصغير كصحفي مصور وقرر ان الوقت قد حان ليصنع أول افلامه السينمائية ، وكان لديه العزم والتصميم على ان يطور ثقافته ذاتيا ، لقد علم نفسه بنفسه ليصبح مخرجا سينمائيا وصانع أفلام .
فيلمه الاول تسجيلي " يوم النزال " مثير من الناحية البصرية ، وخال من الزلات الشائعة بين صانعي الافلام الناشئين، وقد منح لنفسه فيه الحرية المطلقة في التجريب بأسلوب مونتاجي مفعم بالحيوية والاشراق ، وتلاه فيلمه التسجيلي "القديس الطائر " ثم الروائي الطويل " الخوف والرغبة " الذي انجزه كله بنفسه، ثم فيلمه " قبلة القاتل " الاحترافي المتميز، وتلاه فيلم " القتل " الذي يعتبر من الافلام الكلاسيكية للجرأة السينمائية التي صبغت اسلوب سرد القصة واتباعها تركيبة غير مترابطة في الاحداث، من اجل اظهار تفاصيل الحالة الدرامية ، ولجأ في فيلمه " دروب المجد للتصوير بالكاميرا المحمولة ، فكان العمل بواسطة الكاميرا السينمائية امتداداً لخلفيته في التصوير الصحفي مما اضفى عنصر الواقع التسجيلي على افلامه القصصية .
وعام 1960 قدم فيلمه الملحمي " سبارتاكوس " ، والذي يوجز قصة تمرد العبيد في روما، في العام 73 ق. م، سبارتاكوس الذي لعب دوره (كيرك دوجلاس) يبدأ رحلته من منجم في ليبيا، حيت كان ضمن من اشتراهم صاحب المنجم (بيتر أوستينوف)، ويرصد الفيلم قصة حبه، وتمرده وعودته للأسر مرة أخرى، وقد حصد اربع جوائز اوسكارية ، وتلاه فيلمه الجريء الذي عانى مشاكل مع الرقابة " لوليتا " عن الرواية الشهيرة لنابوكوف وقد دخل فيه عالم الكوميديا السوداء ... ان الكآبة التي تكتنف كوبريك وفكاهته الخبيثة قد زخرفت الفيلم بقشرة مخادعة من السخرية والتهكم، وقد عام 1964 فيلمه " الدكتور سترينجلاف " عن الحرب النووية .
وقدم نص فيلم " 2001 : اوديسة الفضاء " الذي اخرجه كوبريك عام 1968 كفنان بحت بين صفوف أسياد السينما ، الفيلم يعد ملحمة خيال علمي، يقدمها كوبريك بأناة ودقة ينتجهـا ويخرجها ويكتب السيناريو لها ليضمن مفاتيح اللعب كلها لكن ما يقوله في النهاية – بوضوح- هو أن الانسان سيشب يوما عن طوق الآلة أو ربما ينسحب فيما وراءها بواسطة وعي- قوي- كوني- ليعود سيرته الأولى طفلا، لكنه في هذه الطفولة أكثر تقدما من طفولته الأولى التي عبر عنها بأجيال القردة ، ويتبعه بفيلمه الشهير " البرتقالة الالية " الذي قال عنه بونويل : " هو فيلمي المفضل ،كنت من المعارضين لهذا الفيلم ولكن بعد ان شاهدته أدركت بأنه الوحيد الذي يعبر عن العالم الحقيقي المعاصر الذي نعيش فيه " . 
واذا كان الحاسب الآلي في أوديسا الفضاء 2001 هو أكثر شخوصه إنسانية، وأن فيلم البرتقالة الآلية يظل مفجعا في تقديمه موضوعة العنف، فهو في فيلمه باري ليندون (1975) يريدنا أن نفك موضوعاته وشخوصه كما لو كانت أجزاء آلية، ومع باري ليندون، المأخوذ عن رواية- كالعادة- للكاتب ثاكري، يقدم كوبريك لنا بطريقة مثالية بحثا حول تلك الثيمة ، بطله شاب تعصف به الحوارث، ولا يتحكم قي حياته إلا قليلا، ليقع بطريقة حمقاء في حب مراهقته ! لكنه يغادر الحي فجأة بعد مبارزة ، وبعد انخراطه في الجيش البريطاني يحارب في أوروبا، حيث الصحراء من كل جانب، لا يجد الرفقة الطيبة ، يتزوج من امرأة ذات ثراء وحسن ثم يحطم عالمه لأنه يفتقر الى الشخصية التي تجعله ينجو بنفسه، هذا كله يحدث بمحض المصادفة، لا توجد أدنى عقلانية منطقية توجب حدوثها، لا نظرية في الحياة ولا شخصية ما تقود البطل نحو حتفه.

الجمعة، 27 مارس 2015

المهرجان الدولي للفيلم العربي بوهران

برعاية كريمة من فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بو تفليقة وإشراف معالي وزيرة الثقافة السيدة نادية لعبيدي , تستعد الجزائر لاحتضان فعاليات الدورة الثامنة للمهرجان الدولي للفيلم العربي بوهران من 3 إلى 12 جوان 2015
المهرجان موعد للإبداع الفني والسينمائي والفكري , يضيؤه ألمع النجوم العالمية والعربية والجزائرية ستأتي مكرمة متنافسة مشاركة وناقدة , .نتشرف باستقبالها على ارض الجزائر لتقاسمنا فضاء و اجواء الباهية وهران في ثوبها السينمائي
سيكرم المهرجان اسماء لامعة رحلت عن الوجود لا عن الوجدان هي : ايقونة الرواية اسيا جبار , الفنانة الكبيرة فاتن حمامة , الفنانة القديرة فتيحة بربار , والقلم العربي الكبير قصي صالح درويش وسنحتفي بالسينما التركية ضيفا شرفيا لهذه الطبعة , كما تحضر معنا اسماء من خيرة النقاد والروائيين العرب لتنشيط ملتقى " السينما والرواية " المرافق لهذه الطبعة .
في هذا السياق نتشرف باستقبال ارائكم واقتراحاتكم , لإثراء مهرجاننا بالأفكار البناءة والرؤى الصائبة من خلال موقع المهرجان :
http://festival-d-oran-du-film-arabe.com/

الجمعة، 20 مارس 2015

الطيب الوحيشي: جماليات مختلفة لأفلامه في السينما التونسية


محمد عبيدو


ظهر خلال الثمانينيات في السينما التونسية مخرج موهوب ووجد مشاهدة دولية مشجعة لأفلامه، هو المخرج الطيب الوحيشي (من مواليد 1948)، خريج معهد السينما في باريس، وهو إلى ذلك متحصّل على شهادة الدكتوراه في الأدب وعلم الاجتماع
غالبا ما تقترن تجربته الإبداعية بالمغامرة والتحدي والرهان على الذائقة النوعية المغايرة. اختار الطيب الوحيشي الانتصار على آلامه بالسينما... بعد أن أقعده حادث مرور أليم منذ سنوات عن الحركة... لكن هذا الحادث الذي تسبب له في شبه إعاقة لم يحرمه من مواصلة مشواره والوقوف خلف الكاميرا لتوجيه السينمائيين ونصحهم وتكوينهم. عرفناه من خلال عدة أعمال سينمائية متميزة حازت على إعجاب الجمهور والنقاد على حد سواءو انطلق الطيب الوحيشي في تأثيث مسيرته السينمائية بإخراج أفلام قصيرة وثائقية من بينها الطريق المتقاطع 1970 والتماثيل 1971 وتبعها فيلمه “قريتي قرية بين القرى” الحائز على التانيت الذهبي في مسابقة الأفلام القصيرة لدورة أيام قرطاج السينمائية 1972. وفيلمه “ظل الأرض” 1982 عمل اختير وتوج في أسبوع النقاد بمهرجان “كان” الدولي ويعد هذا الفيلم من الأفلام العربية القليلة المنجزة انطلاقا من الدراسات الاجتماعية الأنتربولوجية. ويدور حول آخــر مجموعة تعيش منعزلة في معسكر “بدوي” يقع فوق أراضي بالغة الجـدب، رئيس القبيلة يسكن في واحدة من الخيام الأربع التي تمثل القبيلة، وهو يعيش مع أبنائه وأبناء أخيه وأسراهم “صالح” الإبن الأكبر، الذين يقطنون في المخيمات الأخرى.. ومن خلال واقع الحياة البالغ القسوة، تمر الأحداث، وعليهم الخروج من المنطقة وعلى الأبناء الاغتراب، “صالح” الابن الأكبر يسافر ويودعونه يعود الابن الثاني “حميد” ومعه الهدايا... لكن “حميد” يسافر مرة أخرى لأداء الخدمة العسكرية، ويشــتد الجــذب، يقرر أحدهم السفر وتصل أخبار عن موت صالح، يصل جثمانه ويبقى العجوز مع زوجة ابنه وحيدين..وتعزّزت تجربته بأعمال أخرى منها" قوريا، جزيرة الجدّ"(1987) الحائز على الجائزة الخاصّة للجنة التحكيم بالجزائر،  الذي صوره في السنغال عام 1987 وفيلم “مجنون ليلى” عام 1989 المتوج في واغادوغو وميلانو. وفي شريطه الطويل الخامس “رقصة الريح” يمحور الطيب الوحيشي الأحداث حول شخصية يوسف، وهو مخرج في الخمسين من عمره، يقصد الجنوب التونسي بحثا عن أماكن لتصوير مشاهد شريطه الجديد. فيلتقي في قرية غريبة راعية غنم جميلة تطلب منه ألا يلتقط لها صورا. بعد ذلك يتيه في ليل الصحراء (أ هي صحراء العمر؟) وتتعطل سيارته ذات الدفع الرباعي في قلب الصحراء. وهكذا يختلي بنفسه ليستعيد شريط أعوامه الماضية. ولا تبقى له من علامات موثوقة إلا سيارته التي تشكل ركيزة بقائه وصموده أيضا بما في صندوقها من زجاجات ماء وعلب بسكويت مبعثرة إلى جانب الصور والسيناريوات والأوراق. يستسلم يوسف للأمر الواقع ويبدأ حلمه بفيلمه الجديد رغم كل الظروف المحيطة، وفي هذه الأثناء ينطلق مساعده ترافقه “السكريبت” في رحلة البحث عنه، وتجعلنا تلك الرحلة نكتشف المنطقة ونعايش بعض المشاهد التي يراها المخرج أيضا أو يتخيلها. كما يعمد إلى رسم شخصيات سرعان ما تتحرك أمامه في سراب الصحراء. وهكذا يتوغل يوسف في هلوساته السرابية إلى أن يكتشف فجأة - وبحركة انتقالية من الكاميرا - أنه كان يؤدي دور الشخصية الرئيسية في فيلمه. يركّز الفيلم على ثنائيات كثيرة مثل الإخراج والمعاناة، الحلم والواقع... السيرة الذاتية والسيرة الإبداعية. مع أن الطيب الوحيشي - وهو كاتب الفيلم - لا يقرّ بأنه ينضوي ضمن أفلام السيرة الذاتية، ويفضل على ذلك وصفه بـ “السيرة الإبداعية”. وأشار في إحدى مقابلاته إلى أنه اختار المخرج والممثل الجزائري محمد شويخ ليلعب دور المخرج في هذا الفيلم “لئلا يقال إن سيرة هذا الفيلم هي سيرة الطيب الوحيشي”. أما بخصوص المعاناة التي يخوض فيها الفيلم، فقد أشار الوحيشي إلى أن فيلمه يطرح أسئلة عدة: كيف نواصل عملنا وإبداعنا؟ ولماذا الصورة؟ وما أهميتها؟ مؤكدا أن “كل واحد من السينمائيين العرب هو سيزيف، ولكن من دون بكاء، بل هو سيزيف عربي يقف بوجه المصاعب ويتحداها”. وكان فيلم “طفل الشمس” العمل الأخير في رحلة الطيب الوحيشي مع السينما.


فيلموغرافيا: ظل الأرض (فيلم روائي) - رقصة الريح (فيلم روائي) - ليلة إفريقية (فيلم روائي) - قريتي... واحدة مثل كل القرى - غوري... جزيرة الجد - الخمّاس (فيلم روائي) - قرطاج (فيلم روائي) - أوبرا ابن سينا (فيلم روائي) - مجنون ليلى (فيلم روائي) - عرس القمر (فيلم روائي) - طفل الشمس (فيلم روائي).



الخميس، 19 مارس 2015

دورة آسيا جبّار حول موضوع "التفاعل وإنتاج المعنى"

ملتقى وهران الدّولي 
للسينما والرّواية
دورة آسيا جبّار
حول موضوع 
"التفاعل وإنتاج المعنى"
أيام 03 - 04 - 05 جوان 2015
ظلّت السينما عبر سيرورتها التاريخية وتحولاتها الجمالية الفنية تبحث عن سندات وآليات فلسفية وأدبية وفنية من أجل إعطاء ديناميكية أقوى لأبعادها التأثيرية، لتصنع لنفسها كيانا تفاعليا له القدرة على استيعاب جميع الخطابات من مختلف الحقول المعرفية.
وقد شهدت السينما في فترة ما قبل الحداثة أو في زمن الحداثة أو في مرحلة ما بعد الحداثة، ثم في ما يسمّى بالأدائية رغبة من هذا الفن في النهل من كنوز القص الروائي، وبذلك يصبح المنتوج السينمائي جسر عبور لاكتشاف المغمور من الإبداع والمسكوت عنه في الكتابة الروائية، عبر معالجة بصرية للسيناريو، حيث تذيب المحكي الروائي في المحكي الفيلمي وتستنطق جوهره ولبّه وخباياه.
الرواية والسينما عالمان يتواصلان ويتقاطعان، وقد يحدّ اللقاء بينهما من نرجسية المبدع الروائي أو قد يغذيها، وقد يفرز هذا التواطؤ الجميل بين المكتوب والصورة اللاممكن والمستحيل، وذلك عبر استغلال إمكانيات السرد الروائي والسرد السينمائي، إن هذا التحويل من وسيط إلى وسيط آخرلا يعنى النقل الحرفي للمدلول الجاهز من لغة إلى لغة أخرى، بقدر ما يعنى أن لتلك الخيارات المفتوحة في تنظيم الحذف والتقطيع وإعادة تشكيل المادة هي التي تمكننا من صياغة النص المقترح، إذ لكل مبدع رؤيته حول الذات والعالم والآخر.
إن تفاعل السيناريست مع الرواية يتم عبر التماهي والتكيف والتعايش، وقد تأخذ العلاقة منحى آخر من نفي وتحوير وتضحية بلبّ النص في أكثر الأحيان، لكن ما يشفع للسينما في هذا المقام أنها أوصلت الرواية إلى المتلقي، ومكنت المشاهد بكل مستوياته وقناعاته وانتماءاته من التفاعل مع الصورة، في الوقت الذي حصرت الرواية في أغلب حالاتها لدى النخبة المثقفة، كما للسينما الفضل في إخراج الرواية من غياهب المكتبات إلى دور العرض.
إن موضوع الأفلمة في حدّ ذاته يحمل تناقضات في فهم المصطلح، فالبعض يراه اقتباسا والبعض الآخر يراه تكييفا، وعليه تتجلى لنا مفارقات أو توافقات بين الترجمة والإعداد والنقل والتحويل في التعامل مع النص الروائي، ومن ثمّ ما الحدود الفاصلة ما بين تلك التجارب وخلفياتها الإبستيمولوجية ؟ ما حدود تلك التجارب التي نهلت من منبع الرواية الرافد والانتماء؟ وهل للإبداع حد يحتكم إليه في رسم طاقته الاحتوائية؟ إلى أي الصيغ يحتكم المقتبس وما المعايير التي تصنع أفلمة الرواية ؟لمَ الحاجة للرواية؟ هل لدى الرواية خزان درامي لإثارة حواس المشاهد وجذب انتباهه أم هناك شح في مخيلة مبدعي السيناريو تدفعهم للرواية كنص جاهز للتداول، أم أن تسويق الفيلم ونجاحه يعتمد على شهرة صاحب الرواية ونسبة قرائه؟ إلى أي حد نجحت السينما في تمثّل الثورة التحريرية الجزائرية ؟ كيف تشكّلت صورة مدينة وهران روائيا وسينمائيا؟ كلها أسئلة تنخرط في إشكالية عميقة تدور حول التقاطع والاختلاف بين الرواية والسينما في ظل هذه التحوّلات الجمالية الكبرى في ألفيتنا الثالثة.

ملتقى وهران الدّولي للسينما والرّواية دورة آسيا جبّار

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
وزارة الثقافة
مهرجان وهران للفيلم العربي (دورة 2015)
ملتقى وهران الدّولي 
للسينما والرّواية
دورة آسيا جبّار
حول موضوع
"التفاعل وإنتاج المعنى"
أيام 03 - 04 - 05 جوان 2015

(أ) المحاور:
المحور الأول: أفلمة الرّواية
المحور الثاني: الرّواية والسيناريو
المحور الثالث: الكلمة والصورة
المحور الرّابع: الثّورة التحريرية الجزائرية في السينما
المحور الخامس: شهادات وتجارب
المحور السادس: مدينة وهران بين الرّواية والسينما
المحور السابع : تكريم
نصف قرن من الكتابة : شكرا ... رشيد بو جدرة
(ج) شروط المشاركة:
يشترط في المتقدم للمشاركة في ملتقى وهران الدولي للسينما والرواية المزمع عقده أيام 03-04-05 جوان 2015 أن يراعي الشروط الآتية:
أن يتقيد في مداخلته بأحد محاور الملتقى.
أن لا تكون المداخلة قد سبق نشرها أو عرضت في ملتقيات أو فعاليات سابقة.
أن تتسم المداخلة أو الشهادة أو التجربة بالضوابط العلمية المتعارف عليها ولا تتجاوز عشرين (20) صفحة وأن لا تقل عن 10 صفحات بما في ذلك الهوامش والمراجع والملاحق، على أن ترفق بملخص محرر بحيث لاّ يتجاوز عدد 150 كلمة.
تحمل استمارة المشاركة على الموقع الالكتروني:
http://festival-d-oran-du-film-arabe.com/
وترسل بعد ملئه قبل تاريخ 30 مارس 2015 على البريد الإلكتروني: colloque.fofa.2015@gmail.com
ترسل المداخلة كاملة في شكل ملف للتحميل عبر البريد الالكتروني قبل 25 أفريل 2015 على العنوان: colloque.fofa.2015@gmail.com ويشترط أن تحرر ببرنامج Word بالخط Traditionnel Arabic حجم 14، وتدرج الهوامش بطريقة آلية في آخر المداخلة.
تخضع كل المداخلات المرسلة إلى اللّجنة العلمية للملتقى، ويعلم أصحاب الدراسات والبحوث بنتيجة التحكيم عن طريق البريد الإلكتروني أو الهاتف.
تدرج البحوث والشهادات والتجارب آليا في كتاب خاص بالملتقى.
توجّه لجنة التنظيم تأكيد دعوة حضور الملتقى إلى جميع المشاركين المقبولة أبحاثهم.
تسلم المداخلة يوم الملتقى في نسخة ورقية وأخرى على قرص مضغوط.
على المشارك الاستجابة والتعاطي مع الصحافة المرافقة للمهرجان.

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
وزارة الثقافة
مهرجان وهران للفيلم العربي (دورة 2015)
ملتقى وهران الدّولي للسينما والرّواية (دورة آسيا جبار)
أيام 03 - 04 - 05 جوان 2015
استمارة المشاركة
الاسم الكامل:
الصفة:
الهيئة (الجامعة، مؤسسة إعلامية، أو هيئة أخرى...):
الهاتف: الفاكس:
البريد الالكتروني:
محور المشاركة:
عنوان المداخلة:
ملخص المداخلة:
هام: تملأ الاستمارة ويرسل ملخص المداخلة المشاركة قبل 26 مارس 2015، على البريد الإلكتروني: colloque.fofa.2015@gmail.com
ملاحظة: ترسل المداخلة كاملة في أجل أقصاه 16 أفريل 2015

الخميس، 12 مارس 2015

وهران للفيلم العربي

إلى كل السينمائين في الوطن العربي ،، لمن يرغب في دخول المسابقة الرسمية لمسابقة وهران للفيلم العربي في الفئات الثلاثة "أفلام قصيرة، أفلام طويلة ، أفلام وثائقية " يمكنكم الأن رسميا المشاركة و ارسال الافلام على عنوان المهرجان الإلكتروني التالي :"

الثلاثاء، 10 مارس 2015

"آسيا جبار" إلى الجزائر لتدفن في وطنها

وفاة الأديبة والسينمائية الجزائرية الكبيرة آسيا جبار الجمعة، في العاصمة الفرنسية باريس عن عمر ناهز 79 سنة. تفقد الجزائر والعالم الأدبي وجهاً إبداعياً عالمياً مميزاً.رشحت عدة مرات لجائزة نوبل؛ وهي عضو في الأكاديمية الفرنسية منذ 2005.
وقالت رئيسة جمعية "أصدقاء آسيا جبار" أمال شغواطي إن أعضاء عائلة آسيا جبار لمحزونون لإعلان وفاة الروائية آسيا جبار، داعية إلى ضرورة إحياء ذكراها بالاهتمام بإنتاجها الأدبي.
وولدت آسيا جبار، واسمها الحقيقي فاطمة الزهراء املحاين- بشرشال يوم 30 يناير/كانون الثاني 1936، وقضت طفولتها والسنوات الأولى من الدراسة في مدينة موزاية بالبليدة، لتنتقل رفقة عائلتها إلى فرنسا، حيث شرعت في دراستها الثانوية بباريس سنة 1954 وعادت بعد الاستقلال ودرست في جامعة الجزائر، وأصبحت من أكبر الروائيين الجزائريين الكاتبين باللغة الفرنسية، رشحت عدة مرات لنيل نوبل للآداب. انتقلت رفقة عائلتها إلى فرنسا سنة 1954، وقد مارست الراحلة الكتابة لأكثر من 50 سنة، كما أخرجت عدّة أعمال سينمائية واهتمت كذلك بالتاريخ، كما نشرت أوّل أعمالها الروائية وكانت بعنوان «العطش» (1953) ولم تتجاوز العشرين من العمر، ثمّ رواية "نافذة الصبر" (1957).
وفي عام 1958 تزوجت الكاتب أحمد ولد رويس (وليد قرن) أحد نشطاء المقاومة الوطنية الجزائرية الذي ألف معها رواية "أحمر لون الفجر"، وانتقلت للعيش في سويسرا ثمّ عملت مراسلة صحافية في تونس. ولأنها لا يمكنها الإنجاب، تبنت في عام 1965 طفلاً في الخامسة من عمره وجدته في دار الأيتام بالجزائر، لكن زواجها واجهته مصاعب عديدة فتخلت عن ابنها بالتبني وانتهى زواجها بالطلاق عام 1975.
انقطعت آسيا جبار عن الكتابة بعد أربعة إصدارات سردية، لكنها ما لبثت أن عادت بنفس جديد تشعبت معه مجالات كتابتها بين المجالات الروائية والشعر، فبالإضافة إلى إبداعاتها الروائية التي سجلت تحولاً ملحوظاً سواء في طبيعة الموضوعات المطروقة أو طرق التناول أو الرؤية الجمالية المتبناة مثل ''الحب والفانتازيا'' (1985) و''الظل السلطاني'' (1987) و''بعيدا عن المدينة المنوّرة'' (1991) و''السجن ما أوسعه!'' (1995)، أصدرت آسيا جبار كتاب ''بياض الجزائر'' (1998)؛ حيث تروي ذكرياتها مع أصدقائها (الطاهر جعوط، عز الدين مجوبي، وعلولة) المغتالين ثلاثتهم خلال الأحداث التي عرفتها الجزائر خلال العقد الأخير من القرن الماضي، إلى جانب كتاب حول العنف بعنوان ''وهران اللّسان الميت'' و''هذه الأصوات التي تحاصرني (1999)، و''اندثار اللغة الفرنسية''، و''ليالي ستراسبورغ''··· وكان لما أنتجته آسيا جبار أهميته في صياغة وتوجيه التمثيلات الاجتماعية والثقافية عن الذات الجزائرية وعن الآخر، وبهذا النتاج الغزير عبرت عن تجارب الشعب وتصدّعات الذاكرة وأزمات الهوية بلغة الآخر.
بعد الاستقلال توزعت جبار بين تدريس مادة التاريخ في جامعة الجزائر العاصمة والعمل في جريدة "المجاهد"، مع اهتمامها السينمائي والمسرحي. وبجانب الكتابة عملت آسيا جبار في الإخراج السينمائي، حيث أخرجت فيلم "نوبة نساء جبل شنوة" الذي نالت به تقدير لجنة تحكيم مهرجان البندقية عام 1979. 

كان فيلم "نوبة نساء جبل شنوة" 1977 الوثائقي للروائية والمخرجة آسيا جبار، الذي يشكل انفراداً متميزاً في العلاقة بين الروائي والسينمائي في الجزائر، كون أن آسيا جبار هي في الأساس كاتبة وجامعية خاضت هذه التجربة الوثائقية والتسجيلية انطلاقاً من المعايشة الشخصية للكاتبة – المخرجة والرصيد الشعري الكامن لدى نساء الجزائر، وبالخصوص في جبل شنوة (قرب ولاية تيبازة مسقط رأس المخرجة) وهنا نشأت علاقة حميمة بين نساء جبل شنوة، ورؤية مخرجة تحمل في داخلها حسا نسائياً متقدماً أرادت أن تكثفه في عمل قريب وواقعي. الوثائقية والتسجيلية وسيلة لسرد البعد الشاعري لهؤلاء النسوة في محيطهن الطبيعي.
وأنجزت آسيا جبار عام 1982 "زردة أو أغاني النسيان". ويتمحور الفيلم حول موضوع المرأة. والمرأة هنا تكشف عن قدرتها على التعبير عن نفسها بجرأة وعلى اجتراح ولادة جديدة.
عندما تريد آسيا جبار أن تختصر تجربتها الإبداعية تقول: "أحاول ككاتبة أن أصلح الاقتلاع الذي كنت ضحيته في طفولتي. ومجيئي إلى السينما جاء من باب الذهاب إلى العربية المحكية. تجربتي السينمائية جعلتني أعي كوني كاتبة بالفرنسية من دون عقد نقص، ولِم العقد طالما أني أكتب عن بلدي".


تبدو التجربة الثقافية لآسيا جبار تأسيسية على أكثر من مستوى. فهي استكملت طريق الكتابة النسوية وجعلت منها محفلاً ثقافياً قائماً بذاته. وتكفي اليوم قراءة كتابات جزائريات، سواء في الداخل أو في المهجر، من قبيل: صفية قطو، ومريم بين وأحلام مستغانمي وفاطمة غالير ومالكة المقدم وسواهن للوقوف على المسار المنفتح الذي اختطته كتابات آسيار جبار، وعلى ذلك الوعي اليقظ بقضايا التاريخ وقوة الهوامش النسوية، واستمرار الأسئلة القلقة التي تطرحها على عوالم المجتمع والثقافة. كما أنها فتحت أمام النساء الجزائريات باب السينما وطرقته في وقت كانت لا تزال الكلمة، أو بالأحرى الصورة، تستعصي على التناول النسائي. واليوم يمكن للسينمائيات الجزائريات، من أمثال يمينة شويخ ويمينة بنغيغي ورشيدة كريم ومليكة طنفيش وفجرية دليبة أن يفتخرن بكون رائدتهن في هذا المجال كانت امرأة مثقفة وكاتبة وأديبة من طراز آسيا جبار، يتماشى لديها التعبير بالصورة والتعبير بالكلمة عن الهواجس التاريخية والشخصية الدفينة للمرأة العربية المعاصرة.
لئن تأجل حضور اسم ''آسيا جبار'' في سجل الفائزين بنوبل للآداب، بالرغم من ترشيحها للجائزة مرات عدة، فإن تتويجها بجائزة المكتبيين الألمان العالمية للسلام عام 2000، يبقى علامة فارقة لها ألقها الخاص ضمن الأحداث الثقافية العالمية. شغلت الفقيدة قبل رحيلها منصب بروفيسور الأدب الفرنكفوني في جامعة نيويورك.. .وستوارى التراب بمسقط رأسها ( شرشال) وفقاً لرغبتها حسب عائلتها.
لجزائر - محمد عبيدو

الاثنين، 9 مارس 2015

(مذاقات القصر) للمخرج كريستيان فنسنت.. طباخة خاصة في قصر الإليزيه


علينا أن لا نقع في خطأ الذهاب إلى السينما مع معدة فارغة، لأن (مذاقات القصر)، الفيلم الفرنسي الذي عرض ضمن أيام الفيلم الأوربي بالجزائر، هو إستعراض مغري من روائح الأطعمة المتخيلة، سيجعلنا جائعين بكل حواسنا مع كل طبق تعمل على إنشائه بطلته “كاترين فرو” ويحمل شهية الماضي.
(مذاقات القصر) يبعث على الحنين إلى أنواع من الطعام ونكهات الماضي ووصفات الطبخ القادمة من سحر السنين العتيقة، وقد اقتبس المخرج، قصته من الحياة الحقيقية لـ«دانييل ديلبوش”، الطباخة الخاصة للرئيس الأسبق فرانسوا ميتران، في ولايته الثانية، بالذات في المرحلة الأخيرة من فترة رئاسته، التي تركت القصر بعد ثلاث سنوات من العمل فيه لتمضي للعمل في قاعدة بحرية علمية نائية قريبة من القطب الشمالي.
الأفلام المبنية على قصة حقيقية هي مشكلة بالضرورة، ولا سيما عند محاولة تغطية الحياة البشرية على مدى بضع ساعات، والضغط عليها في الروي. هناك حلول، رغم ذلك، هذا الفيلم يجد ما يمكن أن يكون أفضل مزيج ممكن: هو يغطي فترة صغيرة من الوقت، و يركز على معنى اللحظات بدلا من معنى الحياة، و يتيح للمشاهدين تفسير وإحساس ما يرونه، بدلا من فرض خطابات عاصفة. وفوق كل ذلك، يعطي لأبطاله أسماء خيالية، ليكون واضحا أن المقصود هو أولا وقبل كل شيء إعتباره رواية حول البشر، وليس إصدار مشوه للتاريخ. كل هذا يرقى إلى نهج مبدئي، ذكي، لكنه أيضا وصفة لما أنه فيلم دافئ وممتع.(مذاقات القصر) الذي أخرجه “كريستيان فنسنت”، الذي سبق له أن فاز بجائزة “السيزار” عام 1990 عن فيلمه الروائي الأول (المتكتم)، يتمحور حول الطعام وولع الرئيس الفرنسي ميتران به.. حيث يقوم بتعيين “هورتانس لابوري” وهي طاهية شهيرة لتكون طباخته في قصر الإليزيه لكي يحظى بفرصة تذوق وجبات الطعام البسيطة كالتي كانت تعدها جدته.. وفي كوميدية بإيقاع سريع نتابع أحداث هذا الفيلم.
بعد بضعة مشاهد سريعة في مطبخ محطة البحوث، حيث الطباخة هورتنس لابوري (كاترين فرو)، إمرأة فرنسية جذابة في خمسينيات العمر، تتقن صنع الطعام بشكل مذهل، ونحن نمضي في الفلاش باك، يجري نقلها من مزرعتها الخاصة  للكمأة في عمق الريف الفرنسي في سيارة الحكومة، لركوب القطار إلى باريس.
شخص ما في الحكومة يريد طاهيا، ولكن على وجه التحديد من يكون، ظل غامضا، ليخبروها فيما بعد أن الأمر جرى تلبية لرغبة الرئيس ميتران بطباخة خاصة له ولأسرته ولضيوفه المقربين، تعمل في مطبخها الصغير بموازاة فريق طباخي القصر، في المطبخ الرسمي.
قبلت هورتنس العمل على مضض، وتركت مزرعتها وعمها المريض كي تتفرغ لخدمة الرئيس، فإذا بها تجد نفسها في عالم من التحديات ومواجهة المصاعب، ولكن بمجرد أن التحقت بمطبخ الرئاسة الذي يهيمن عليه الذكور، لتعمل بقلبها وروحها وخبرتها لتقرن الطبخ الفرنسي بالأصالة والتجدد الرصين، السلمون والكمأ في أوراق الملفوف، على البخار ومقطع إلى شرائح أنيقة مع كريم الصلصة، بطة مطبوخة مع الخضار بدقة، علاج الجبن الذي يتطلب جهدا من خلال شبكة معينة مصنوعة من العشب.. وفطيرة الزنجبيل والتفاح وحبيبات الكاكاو، يبدو كل ذلك تفصيلا لذيذا ومثيرا، لكن يعود هذا إلى حد كبير لعمل الطبيعة.
مع مساعد لها الشيف نيكولاس (آرثر دوبونت)، تحاول أن تعمل ثورة في مصادر الطعام، بإتباع أسلوب المزرعة الطبيعية والريف في المائدة، إنطلاقا من حياتها الخاصة التي أمضتها في المزارع. و تستطيع أن تفرض نفسها كشيف للطهاة لأول مرة من الإناث بفضل قوة شخصيتها وروحها التي لا تقهر، على الرغم من أنها تثير غيرة رئيس الطهاة، وتقع بورطة مع البيروقراطية في القصر، حيث المحاسب لم يفهم سبب ارتفاع الميزانية في طلبات مواد الطبخ، تعلن رفضها تقديم تنازلات في الطبخ وفي الأنواع النادرة والمكونات النقية التي تشكل أفضل ما قدمته المزارع والحقول في القرى الفرنسية.
ففي أروقة السلطة، هناك العديد من العقبات، كما أن الخلفية للحدث الأساسي، تظل تنبض بالرصد الواضح للوضع السياسي والإقتصادي والصراعات التي كانت تحيط بقصر الإليزيه في تلك الأيام.
في نهاية المطاف، فيلم (مذاقات القصر) يأخذك برحلة طويلة إلى الطعم الحقيقي، حيث الطعام أمامك هو أكثر من مجرد سراب الشاشة الكبيرة، هنا رحلة كوميدية لطيفة مع خفوت الصراع الدرامي، تستحضر المطبخ الفرنسي.. وتقاليد الطبخ والضيافة الرفيعة، عبر حكاية إمرأة ستبقى ذكراها نابضة بالإرادة.
قام بكتابة السيناريو “أيتن كومر” بالتعاون مع المخرج “كرستيان فنسنت”، فيما تنساب الموسيقى التصويرية للفيلم التي وضعها الموسيقار الفرنسي اللبناني الأصل “غابرئيل يارد” بعذوبة لتتناسق مع الصورة الجذابة والمتميزة بكاميرا “لوران ديلان” أحد أبرز مدراء التصوير في فرنسا.
وتتظافر الحوارات البسيطة واللماحة الذكية مع الأداء التمثيلي التلقائي الرائع لعدد من نجوم الفيلم، حيث نرى في أول تجربة تمثيل له، الصحافي والروائي والفيلسوف المعروف “جان دورميسون” يؤدي في الفيلم دور متيران ويتقمص شخصيته، رغم انعدام الشبه بينهما، ببراعة مذهلة.
وتلفتنا تلك الحميمية وخفة الدم والطرافة الفائقة لدى “كاترين فرو” القادمة من مسار مسرحي وسينمائي لافت لها في السينما أفلام «فوضى»2001 و«التشابه العائلي» 1996 و«لعبة العشاء» 1998 و«من يقلب الصفحات» 2006 وبداياتها تعود إلى عام 1975 من خلال المسلسل التلفزيوني «سحر الصيف».
محمد عبيدو

الأحد، 8 مارس 2015

توثيق الغياب

محمد عبيدو
 
تابع الجمهور الجزائري  . طيلة 3 ايام , فعاليات المهرجان الدولي للفن المعاصر بطبعته الخامسة , في المتحف العمومي للفن الحديث والمعاصر " الماما " بالجزائر العاصمة , ، وقد أتى المهرجان عبر عدد من الفعاليات المتنوعة التي حملت تيمة الغياب كسؤال ونقاش ابداعي فيما يتعلق بالامكنة والمدن والبشر  , حيث  افتتح معرض بعنوان " ضد الغياب "شارك فيه كل من أندرياس هملت روس بعرض سمي "نيمير بنظرة أخرى" يجمع المعرض المدينة برمتها وقد استعير عنوانه من عمل ماكس ارنست , أمثلة لصور تتسم بالذاتية  تتلاقى فيها اللحظات التوثيقية مع التأويلات الفنية وتم فيه عرض صور فوتوغرافية بالألوان وبالأبيض والأسود . صور عن الحياة الحضرية في مراكز وضواحي مدن ألمانية كبيرة , لا تحكي عن الوقائع الحضرية والطوبغرافية بقدر ما تحكي عن الناس الذين يعيشون في تلك المدن والاثار التي يخلفونها ورائهم يوما بعد يوم . تحكي لنا الصور من حين لأخر قصصا حدثت لحظة التقاط الصورة او تسجل شيئا فعله الناس وبقى حاضرا , حتى وان كان أولئك الأشخاص لا يظهرون في الصورة . ان أندرياس روس يبحث عن لحظات يتكلم فيها الواقع عن نفسه قضى سنوات يصور في المدن الألمانية الشرقية وفي برلين , يجد صورا لبشر وعلاقاتهم مع بعضهم البعض , علاقات مشحونة بالغوايات والانفعالات التي تخزنها المدينة الكبيرة لقاطنيها وموضوع اندرياس روس يتعلق بمسائل تخص هوية البشر والمحيط الحضري , وتدور حول العلاقة بين العمومي والخاص , وحول نوافل الأمور والحقائق الجلية لعالم يتغير بأسرع مما يمكننا غالبا إدراكه .  و حضر ايضا " شارل جانز مارتان " بعرض " من أجل الجزائر"،وهو مصور ومخرج وكاتب , كانت اول زيارة له للجزائر العاصمة في عام 2009 بمناسبة المهرجان الثقافي الافريقي , ثم عاد لها اليها عام 2010 رافقه اصدقاؤه الجدد وجعلوه يكتشف مدينة مليئة بالمناظر الخلافة والمتنوعة , لقد كشفت له الجزائر صورا جديدة , ذكرته بطفولته ومنزله والأمكنة المفضلة لديه , وقد انتج في عمله هذا نظرة قوية للجزائر بل وحتى حالة ذهنية , كما انه ادرج فيه بعض المشاهد التي التقطها في بلاده ليشد انتباهنا على تشابهات وليعلمنا انه لم يشعر بالغربة في الجزائر , اوليس الفن في الحقيقة ممرا يتجاوز الحدود .  و يحضر ثالثا " مومارتا " بعرضه "متحف أدوات ترد الغائب "، مشروع "متحف أدوات ترد الغياب" على شكل مداخلة فنية تصور مشروع المتحف في ظل غياب الأشخاص والوثائق التي تتعلق بتاريخ الفلسطينيين في الكويت، والذين شكلوا مجتمعاً حيوياً وفي زمن منذ ما قبل بداية النكبة والتهجير وحتى عام 1990 .و يبحث المشروع في خصوصية هذا الظهور الفلسطيني عبر إنتاج مجموعة من ثمان وعشرين قطعة فنية تنشد ما بهت من هذا العصر الذهبي للمجتمع الفلسطيني الكويتي وتستذكره.. وفي غياب العموم الرسمي للصور الجماعية والقصص والأرشيف تعتمد الذاكرة، الهشة والمجزأة، مرجعاً لبناء مجموعة من مثل مقتنيات هذا المتحف.
و على هامش المعرض جرى يوم دراسي عنوانه "ضد الغياب" ، بمقر المتحف، شارك فيه كل مي النقيب من الكويت , وتطرقت محاضرتها الى اربع نقاط اساسية عن الفلسطينيين في الكويت . تستكشف الاولى بعض الأسباب التاريخية لوجودهم في دولة الكويت الخليجية , وتناقش في الثانية أحداث عام 1991 التي أدت الى الطرد الجماعي للجالية الفلسطينية من الكويت , بينما بحثت في الثالثة بعض أثار غياب هذا الشعب من الكويت نفسها . لتصل الى النقطة الرابعة حول مستقبل الفلسطينيين في الكويت , او بكلمات أخرى : يمكن قراءة هذا الغياب على انه علامة على توجه اوسع للتخلص من السرديات والثقافات والتجارب الفردية في سبيل الرواية المهيمنة ذات الصوت الموحد للكويت , يستلزم السعي الى تشكيل الأجزاء الأقل تراصا , الأقل محدودية , والأكثر أصالة في المجتمع الى التعريف بهذه الفرديات المغيبة , وربما الفلسطينيين الغائبين ليسو بآخرهم  . وحاضر أيضا جاك أسود و كريستين خوري من لبنان ،وعادت كرستين خوري في محاضرتها إلى افتتاح المعرض التشكيلي العالمي من اجل فلسطين يوم 21 / 3 / 1978 في بيروت وكان بداية لمجموعة متحف  للفلسطينيين في المنفى , وقدمت بحثا في تاريخ هذه المبادرة عبر القصص والاكتشافات , التي تتراوح ما بين كتالوج المعرض والتاريخ الشفوي والروايات الشخصية والمقابلات ومواد أرشيفية . ربطت هذه المواد ببعضها , وروت قصصا حول بدايات المشروع والمؤشرات التي سبقته وكذلك الرؤى والذكريات والشبكات المخفية والروابط التي توضحت عبرها الصداقات والجماعات الفنية لدعم القضية الفلسطينية .وعاد يحيى سويلم من مصر في محاضرته الى بدايات حضور الفنانين التشكيليين الفلسطينيين الى الكويت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي وعددهم وتأثيرهم بخلق الفضاء الإبداعي في البلد . و حول مشروع "بيكاسو في فلسطين"، كانت محاضرة الفنان التشكيلي والمسؤول عن إحضار لوحة "بيكاسو" إلى فلسطين، خالد حوراني،
وأشار خالد حوراني إلى أن تنفيذ هذا المشروع تطلب منه عامين كاملين من العمل المتواصل المحفوف بالتحديات. وعاد الى بدايات المشروع  عامين ففي حزيران العام 2009 شرح لطلابه في الأكاديمية الدولية للفنون في رام الله فكرة مشروع "بيكاسو" في فلسطين وعرض عليهم صوراً متعددة من متحف في هولندا وطلب منهم اختيار اللوحة التي يعتقدون أنهم يريدون جلبها إلى فلسطين. والهدف من ذلك هو دمجهم في المشروع والتفكير بشكل التنفيذ الذي يتطلب وإنشاء متحف، وهو عملياً التفكير بشكل أوسع وأكبر حجماً نحو مشروع فني . ولأنها كانت أول مرة تحضر فيها لوحة لفنان عالمي إلى فلسطين، كانت العملية تقتضي مساهمة كبيرة من عدة جهات للدخول في تعقيدات إدخال اللوحة إلى رام الله والتأمين على هذه اللوحة، عدا عن أجهزة الحرارة والرطوبة والحراسة والسفر وغيرها. واكد حوراني أن الإبداع لا يكمن في اللوحة نفسها ووجودها في فلسطين فقط ، بل يتعدّى ذلك إلى عملية إحضار اللوحة وكيف أدخلت عبر حاجز لدولة لا نملكها ومطار محتلّ لا نملكه. وتحدث " حليم قارة بيبان " من تونس عن المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر بتونس وطنجرة الضغط : تسلسل زمني حيث أشار هدفه لفت النظر بطريقة ساخرة , الى حقيقة ان لا متحف للفن الحديث او المعاصر بتونس .
و شاركت الكوريغرافية نصيرة بلازة ضمن فعاليات المهرجان بإبداعها الراقص الجديد " دويتو مونبليي".نشرت  بالجزائر نيوز

الروائي والشاعرالمكسيكي خوسيه ايميلو باتشيكو




محمد عبيدوالروائي والشاعر المكسيكي خوسيه ايميلو باتشيكو الحائز على جائزتي "ثربانتس" و"الملكة صوفيا لشعراء إيبيرو أمريكا" في عام 2009، عن عمر ناهز 74 عاماً.. بعد ان انتهى من كتابة عموده الأسبوعي في صحيفة "بروسيسو" المكسيكية عن صديقه الشاعر الراحل خوان خيلمان  يتحرك ليتعثر ببعض كتبه فيسقط على رأسه .
يذكر أن باتشيكو ولد في مكسيكو سيتي في أواخر يونيو 1939، وتتميز أعماله بالواقعية وهي مستوحاة من الحياة اليومية، ويتميز أسلوبه الشعري بنظرة عالمية، فضلاً عن قدرته على الجمع بين أدوات الشعر بمدارسه الكلاسيكية والحديثة.  و يعبر باتشيكو عن ذلك قائلا : “وُلدت في المكسيك عام 1939، ذاك العام الغريب، في شارع غواناخواتو 183، حارة روما. وُلدت يوم الجمعة، الثلاثين من حزيران. وبالتالي، فوفقًا لعلم الفلك أنا مزيج من برجي السرطان والحمل. علم الفلك هو المذهب السحريّ الذي يتميّز به عصرنا. طبعي، إذًا، يعتمد على الحسّ بالنوستالجيا للفردوس المفقود، وهو مقيّد بالأسرة، بالشعور بالأمان، بالماضي وبالتراث. ولكنه، أي طبعي، لا يتمتّع بالصلابة، فلذلك أنا أعاني الحافز بالانعتاق والتجديد والمضيّ قدمًا.” كان واحدا من أهم الكتاب في الأدب المكسيكي في القرن العشرين.
شاعر وكاتب وروائي ومترجم . والده، الذي وصل لرتبة جنرال في الجيش ، نصح ابنه الخجول بدراسة القانون لأنه يضمن له عملا مرموقا  . ومع ذلك، سرعان ما تحول باتشيكو من دراسة الحقوق إلى فقه اللغة في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك، حيث بدأ نشاطه وهو طالب في المجلات الثقافية والأدبية المكسيكية , واعترف بعمله في وقت مبكر جدا حيث لاقت كتاباته اهتماما في الساحة الثقافية المكسيكية ,  فمقالاته الأسبوعية لمجلة بروسيسو، والتي ظهرت على مدى عقود عدة، هي واحدة من أفضل الأمثلة على الصحافة الثقافية في أمريكا اللاتينية. وظهر في مقتطفات جنبا إلى جنب مع أعظم شعراء أمريكا اللاتينية. إلى جانب الشعر والنثر برز كمترجم بارع عن اللغة الانكليزية.. وكان باحثا بقسم الدراسات التاريخية في المعهد الوطني للأنثروبولوجيا والتاريخ، وهي التجربة التي أسفرت عن منشورات بارزة،وعمل في وقت لاحق استاذا للأدب والشعر في جامعات المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وانكلترا.. وله أسلوب مميز يمزج العاطفة بأسى وقلم حرفي في الكتابة ، شعره ينقل قلقه الميتافيزيقي في صور باهرة وتظهر الكلمات العامية في بعض كتاباته الشعرية التي تطرح قضايا إنسانية للمجتمع وتتميز بتنقية من عناصر الزينة المتطرفة وهو شاعر مواكب للكلمة فتجد أن في بعض الكتابات الحديثة يتناول قضايا مثل مرور الزمن، الحياة أو الموت. ويعتقد أن الشعر هو القدرة الكامنة في كل البشر وأن كتابة الشعر هي لغز، وهو مع ثقافة الكتاب المطبوع ولا يستمتع بالتكنولوجيا خاصة في الشعر وما يدون على الأجهزة الحديثة .

ومن أبرز أعماله  "القلعة في الإبرة" 1962، "عناصر الليل" 1963،.. "لا تسألني كيف يمر الزمن" ، 1978 "منذ ذلك الحين" 1980، "أعمال في البحر" 1983، "نهاية القرن وأشعار أخرى" 1980، "ألبوم حديقة الحيوانات" 1985، "خيانة عظمى" مختارات شعرية 1985، "أنظر إلى الأرض" 1986. و "النوم في النار" وفيه رؤية للعالم في حالة التفكك ، عالما مخربا يوحي بالنهاية، فالمطر -أو الماء- هو عنصر مطهر أما النار فتتغلغل في الليل وكلاهما عنصران يحفزان نشاط الكون. لكن هذا الكون ينتهي بنهاية تلك العناصر، وفي النهاية يتحول كل شيء لغبار،  تعليق الشاعر المكسيكي إفراين هويرتا (1914-1982) على مجموعة باتشيكو،  (عناصر من الليل)، التي نشرت في يناير عام 1963، لا تزال صالحة اليوم، رغم صدور عشرة مجموعات شعرية في وقت لاحق: "قصائد خوسيه إميليو باتشيكو رسم لإثبات الكمال ، والمشاركة العاطفية الداخلية يتضمن هذا الشعر توق، و حماس، بحث عن الالون والأسرار، والسعي من أجل كلمة حق، و العثور على صوته الصحيح " وقد نوّه الروائي البيرواني ماريو بارغاس يوسا، (نوبل في الآداب)، منذ زمن بعيد بشعر باشيكو وبنبوغه المبكّر، وبالمواضيع الجريئة التي كان يتطرّق لها، فضلا عن روحه الاندماجية، ونضجه الإبداعي ومقدرته على التعبير والإبلاغ . كما أشاد يوسا بنظرته الشعرية المشعّة الناصعة لمفارقات الحياة، واسترعى اهتمامه ثراؤه اللغوي والثقافي، حيث تجتمع في شعره عدّة لغات وثقافات.
أعماله السردية الروائية "معارك في الصحراء" 1981، "ستموت بعيداً" 1967، بخلاف عدد من المجموعات القصصية ومنها العزلة القديمة (1963)، ومبدأ اللذة (1972)، وظل ميدوسا وقصص هامشية أخرى (1990) ورواية يموت بعيدا (1967) عمل فيها للتجريب في هياكل جديدة وتقنيات السرد. وتكرر ذكر مواضيع مثل فقدان وتفرد الطفولة والتحرش والاضطهاد والتفتح على العلاقات العاطفية ، وكل جوانب المخفية في الشواغل الاجتماعية والتاريخية للمكسيك.
     
"أنا لا أُحِبُّ وَطني.
مَجدُهُ المُجرَّدُ
يُفْلِتُ مِنّي.
ولكنّي (مع أنّ قولي هذا قد لا يُبشِّر بالخيرِ)
سَأُعطي كُلّ عُمري
مُقابلَ عَشرَةِ أَمْكِنةٍ مِنهُ،
أناسٌ مُعيّنة، موانئ، غابات، صحارى، قلاع،
شظايا هذه المدينة، الكئيبة، العملاقة،
بعض شخصيّاته التاريخيّة،
جباله،
وكذلك ثلاثة من أنهره أو أربعة".
خوسيه إيميليو باتشيكو

جول داسان و ميلينا ميركوري : ثنائي يساري في السينما والحياة


 محمد عبيدو
جول داسان و ميلينا ميركوري : ثنائي يساري في السينما والحياة
مخرج يساري أُدْرِجَ في القوائم المكارثية السوداء في هوليوود في أوائل الخمسينيّات و قضى باقي حياته في أوروبّا، مات عن عمر يناهز 96 عاما اثر اصابته بنزلة برد فى إحدى مستشفيات اثينا.. جول داسان معروف بعدد من الأفلام البوليسيّة الّتي أخرجها من 1947-1950 لاستوديوهات هوليوود :المدينة و القوّة الجبريّة، المدينة العارية، طريق سريع للصوص و اللّيل ، و ريفيفي ( 1955 ) فيلم بوليسي انجزه أثناء وجوده بالمنفى في فرنسا و عدّة أفلام تألّقت فيها ميلينا ميركوري ( التي أصبحت زوجته )، و تتضمّن أبداً يوم الأحد ( 1960 ) و توبكابي ( 1964) .
كان داسان مخرجا نشيطا بهدوء، كما وصفه النّاقد أندرو ساريس مرّة، لكنّ مثل هذه المصطلحات نسبيّة ، نظرة قصيرة في حياته و مهنته تساعد لتذكر أن داسان و آخرين من جيله في هوليوود ، كانوا أناساً يعيشون الجوهر، عرفوا المشقّة و الصّراع، تحمّلوا الأحداث التّاريخيّة الكبيرة و هذه التّجارب المتنوعة متروكة آثارها المهمّة في مجهوداتهم الفنّيّة . ولد جول داسان في 8 ديسمبر 1911 في ميدلتاون (كونتيكت) والده كان حلاقا، درس الفن المسرحي فى اوروبا قبل أن يهاجر الى الولايات المتحدة الأمريكية حيث ظهر فى اول الامر على مسارح برودواي الشهيرة ، وانضم فترة للحزب الشيوعي، ثم اصبح في عام 1940 مساعد المخرج الشهير "الفريد هتشكوك" الذي أعجب ببواكير داسان السينمائية الفتية، وشجعه على إخراج أول أفلامه في عام 1941 بعنوان "القلب الواضح" عن قصّة قصيرة لإدجار آلان بو... نجاح الفيلم النقدي وفي شبّاك التذاكر مهّد له طريق الدخول الى "مترو غولدوين ماير" هناك، أنجز سبعة أفلام مختلفة سواء على مستوى القيمة أو المضمون، من ضمنها "ثريللر" تجسسي اسمه "عميل نازي"؛ "شؤون مارتا" (كوميديا على طريقة هيتشكوك)؛ "شبح كانترفيل" (من قصة لأوسكار وايلد). انتقاله الى استوديوهات "يونيفرسال" فتح أمامه الآفاق، فصعد صعوداً نموذجياً مع "شياطين الحرية"، عام 1947، المقتبس من ريتشارد بروكس، الذي يقتفي خطا سجين فار ومثل الدور برت لانكاستر، لكن انجذاب الفيلم صوب العنف والقسوة، أثار حفيظة جهاز الرقابة الذي حذف منه وساهم بتشويهه.
بعده بسنة تقريباً، قدّم داسّان في "المدينة العارية " 1948( الذي فيما بعد صار مسلسلا تليفزيونا شعبيًّا في الخمسينيّات ) بورتريهاً اقرب للتسجيلية لمدينة نيويورك على خلفية قيام مجموعة من الشخصيات بالبحث عن وحش. مذاك عرف بأفلام تميل الى واقعية اجتماعية مشبعة بسوداوية، على رغم تضمنها مشهد مطاردة بديعة، أعاد "يونيفرسال" منتجة الفيلم، وهذا ما دفع داسّان الى الانتقال الى شركة "فوكس" حيث أنجز "أحياء فريسكو البائسة" (1948)، وفيه تناول الأقليات المهاجرة بحساسية، وبسبب ميوله اليسارية واجه صعوبات مع شركات الإنتاج الهوليودية الكبرى حتى انه اصطدم وتشاحن كلاميا مع رئيس احد الاستوديوهات الكبرى ( لويس ماير ).
ثم يسافر الى لندن بعد ضمه الى قائمة الشيوعيين الذين طاولتهم الحملة المكارثية حيث اخرج اول افلامه هناك فى عام 1950 بعنوان " اللّيل في المدينة " الّذي يتألّق فيه الممثّل الأمريكيّ ريتشارد ويدمارك و يعتبر الآن علامة لنوع الفيلم البوليسيّ وكان بمثابة القصيدة البصرية التي تغوص في دهاليز العذاب اليومي في اجواء ليلية شاقة لكنها مزنرة بترانيم غنائية على خلفية من الواقع المثقل بأمكنة هامشية . وعاد داسان إلى الولايات المتّحدة وأُدْرِجَ في القائمة السّوداء بهوليوود و اُسْتُدْعِيَ من قبل لجنة النشاطات المعادية لأمريكا بمجلس النواب عام1951 ، بالرّغم من أنه لم يطلب أبداً للشّهادة، مع ذلك، بعد التّسمية من قبل الآخرين، ومنهم إدوارد دميتريك الذي وشى به لدى السناتور ماكارثي، عرف داسان أنّ مهنته في هوليوود صارت منتهية... انتقل إلى فرنسا، حيث لم يجد أيّ عمل لمدّة خمس سنوات، قبل ان يخرج فيلم (خصام بين الرجال) الذي حصل عنه على جائزة افضل اخراج في مهرجان كان عام 1955، فيلم "من الذي  يموت" فى عام 1957 . صرّح داسان أنه كان محظوظاً حيث ان المبدعين السينمائيين لم يستطيعوا أن يعملوا الأفلام ثانية بعد الانتهاء على القائمة، بينما تمكّن من تصوير فيلم بعد خمس سنوات من الفقر .
 فيلم داسان الأوّل في اليونان عام 1957 كان (الّذي يجب أن يموت  )، المأخوذ من كتاب "المسيح يولد من جديد "لنيكوس كازانتزاكي الروائيّ اليونانيّ المشهور . لكن سيكون لديه سبب قريب للعودة إلى اليونان للأبد حيث استقر في اثينا عام 1959 مع زوجته النجمة اليونانية الراحلة ميلينا ميركوري المعروفة بنضالها ضد الديكتاتورية العسكرية فى بلادها. وجّه داسان زوجته في سبعة أفلام، من ضمنها فيلمه (ليس في يوم الأحد )1960 عن أمريكيّ في اليونان يحاول إنقاذ عاهرة طيّبة القلب تستقبل زبائنها في بيتها كل أيام الأسبوع ما عدا يوم واحد هو يوم الأحد فإذا أخطأ ( زبون ) جديد وطرق بابها في ذلك اليوم غضبت بشدة وطردته بعنف فهي في يوم الأحد امرأة أخرى لا ترتكب إثماً ولا خطيئة وإنما امرأة تتمنى لو استطاعت ان تذهب إلى الكنيسة كما يفعل الأتقياء صباح كل أحد .. و حاز الفيلم أوسكار لأفضل أغنية للملحّن مانوس هادجيداكيس ، و جائزة أفضل ممثّلة (ميلينا ميركوري) في مهرجان كان السينمائي ، و يُعْتَبَر أحد أجود الأفلام المعمولة في اليونان. داسان نفسه رُشِّحَ لأفضل مخرج و أفضل سيناريو، بالرّغم من أنّه في النّهاية لم يفز بجائزة أوسكار أبدًا .ثم اخرج فيلم فيدرا 1961 الذائع الصيت والمأخوذ عن الأسطورة اليونانية القديمة . وقدم توبكابي ( 1964 )، وهو فيلم بوليسي و تنويعة جديدة لقصة سلب وسرقة عبر لمسة كوميديّة ساخرة ، لكن تدور الحوادث هذه المرة في اسطنبول ( مع ميركوري و بيتر اوستينوف)، فاز عنه اوستينوف جائزة أوسكار لأفضل ممثّل مساعد.
 ميركوري و داسان لم يخفيا سياستهما اليسارية أبدا، كلاهما كانا نشيطين في مساعدة و تنظيم المقاومة اليونانيّة بين السّياسيّين و الفنّانين المغتربين في باريس ضدّ الحكومة اليمينيّة الّتي حكمت اليونان بين ال1967 و ال1974 . بعد أن تقاعدت ميركوري من صناعة الأفلام دخلت السّياسة، لتكون وزيرة ثقافة اليونان في الثّمانينيّات .
في عام 1978 منحه مهرجان كان السينمائي سعفة ذهبيّة لحلم عاطفة، أحد أفلامه الأخيرة . في سنّ متقدّمة، داسان احتفظ باهتمام بالسّياسة بالرّغم من عمره المتقدم و صحّته المتدهورة، وقال في مقابلة مع صحيفة كاثيميريني اليونانية عام 2002 :" اريد أن اقتل شارون .. وهذا طموحي " . وأضاف " ان لب المشكلة في العالم هو العنف والموت الذي يحكم هذا العالم " وقال " انظروا ما يجري الآن مع الفلسطينيين ..انه وضع مرعب " ... وتابع داسان " أريد ان اقتل شارون انه طموحي .. لقد قلت لابنتي انني الآن عجوز ولو قتلت شارون فماذا سيحدث .. سأذهب الى السجن حيث أواصل القراءة حتى آخر العمر " وخلص داسان الى القول " لا اعرف ما يمكن أن يحدث الآن، شارون عبارة عن آلة عسكرية " .
كان لديه طفلان من زواجه الأوّل مع الموسيقية بياتريس لونر : جولي و جو داسان، المطرب المشهور في سبعينيّات فرنسا الّذي مات من أزمة قلبيّة في عام 1980 . في نيويورك، صدر له كتاب بعنوان "ساحرات هوليوود" في عام 1988.وقد حصل داسان على الجنسية اليونانية الشرفيه بعد وفاة زوجته فى عام 1994 .


السبت، 7 مارس 2015

طرقات تؤدي دائما للموت

لماذا تطير حولنا كل هذه اليرقات السوداء؟
لماذا كل ما هو هادئ مريح وكل ما هو مريح مثير للقلق؟
لماذا المدن صفراء يشتت ذاكرتها ليل شرس؟
لماذا الطرقات تؤدي دائما للموت؟
جملة تؤدي إلى جملة ، لنتعرف على جمل أخرى لا يمكننا الخروج منها أو تنقلنا لفضاء آخر... هل هو هذيان؟ هل هي تنويعات على إيقاع الحياة حيث تغيب اللغة في علاقتها بالأشياء ليتكون نسيج الكتابة، بتنويعاته وتكراراته القاتلة في عالم مغلق، فالألم لا يؤلمنا لأننا حتى الآن نهوم مع معناه وهشاشة الكائنات، ولكي نصل لابد من عبور أكثر من جهنم، وتحمل قسوة الهاوية.
في عالم بلا عدالة، عالم موحش وسوريالي كالذي نعيش فيه لابد من اللعب على الكلمات والجمل لمداراة القلق واحتمال العيش.. لابد من ترتيب اليأس وتحريك الكلمات في ساحة الصراخ..
لماذا على المبدع أن يهرب من وضع سكوني مزمن.. إن يعبر من جحيم الواقع إلى هاوية الكلمات والألم والأسرار والوحشة، هل لكونه كائن ضعيف ورهيف يعيش بأقاصي عزلته.. كائن مشحون بالشحوب والظلال وتأمل الفراغ.. يصارع الموت القابع في انتظاره ويشتهي وطنا بناه في الحلم مترفا بالجمال والعدالة..
محمد عبيدو

الجمعة، 6 مارس 2015

المخرج التونسي رضا الباهي والسينما المختلفة


رضا الباهي(من مواليد 1947 بالقيروان)، درس علم الاجتماع في باريس، وصنع أفلاما روائية مهمة هي: “شمس الضباع” عام 1977 الذي حاول من خلاله أن يتحدث عن ضعف الثقافة في مواجهة أخطبوط المال والأعمال، (عندما يشتري صيادو الأسماك السردين، فالدنيا ليست بخير) هذه هي مقولة الفيلم الأساسية، حيث يتوجه رضا الباهي مخرج (شمس الضباع) لطبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، في عوالم الإنتاج الموسمي تلك التي تعتمد أنماطها الإنتاجية على المواسم (المطر، السياحة)، بحيث سيؤدي ذلك إلى تبعيتها بشكل أو بآخر لعجلة الاقتصاد المتنامي والمتطور بحيث تبقى هي في موضع التابع المحنط والجامد لتلك العجلة، ففي قرية من قرى تونس الساحلية حيث يعيش صيادو الأسماك نجد ( الباهي ) وقد جمعنا بمجموعة كبيرة من الشخوص، تشكل شرائح ذلك الواقع الذي هو في صدد تصويره.
العمدة (الحاج إبراهيم) والأمين المقاتل القديم الذي انتهى مراقباً مذهولاً لما يجري حوله من أحداث، والطاهر البحار الذي يحمل نير التبعية والاستهلاك، ولهذه الشرائح الثلاث صفات تجعل منها العامة المحيطة بها، فالعمدة هو مانشيتات عريضة للتركيبة الاجتماعية واحد من لصوص ما قبل الثورة، ومع انتصار الثورة الوطنية يتحول إلى لص لما بعدها مستمراً في صعوده السلم الاجتماعي - الاقتصادي إلى أن أصبحت عجلة الحياة في تلك القرية مرهونة في قبضته، وهو الآن يملك المراكب ويحكم حياة الصيادين، في حين نجد الأمين وقد تحول إلى بائع صغير في دكان حقير تعيس يعمل إلى جانب البيع بالحدادة ليستطيع الاستمرار بالحياة، في الوقت الذي كان في أثناء الثورة الوطنية واحداً من مقاتليها وصانعيها، وهو الآن يقع في هامش الحياة مكتفياً بتذكير أهل القرية بالتواطآت التي أحاطت بالحاج إبراهيم وكيف استمر فيها إلى أن أصبح عمدة، ولا يزال شاهداً على هوية الاستعمار التي تتلون، وتبقى المحصلة واحدة. ليعود البحار إلى الوقوف في وجه العمدة والحكومة ولكن من خلال وضعه كفرد لا حركة جماعية في سياق النضال الجماعي.
وهكذا يؤكد الباهي مخرج الفيلم على الاختناقات الحتمية التي تتعرض لها هذه النماذج المتفردة من البشر.
في تلك القرية تعيش مجموعات من صيادي الأسماك بعضهم يعمل على مراكب الحاج إبراهيم والبعض الآخر يعمل على مراكبه الخاصة، حيث يحاول الحاج إبراهيم شراء المراكب التي يملكها البحارة الآخرون، قاصداً من وراء ذلك السيطرة الكاملة على البحر؛ حياتهم، ويظل يعيش المحاولة إلى أن تتقدم شركة ألمانية بعرض مفاده أن القرية هي قرية ساحلية، وأن تحويلها إلى فنادق وأماكن عامة للسياحة سيزيد من دخل أهل القرية ويحسن أحوالهم المعيشية، وبعد اقتناع الحاج إبراهيم بهذه المسألة وتأكده من أن له مكاسب شخصية كبيرة من ورائها، يقوم بشراء الأراضي المجاورة ويصبح مديراً للفندق، وتتحول أسماك البحارة إلى وجبات لفندقه مستخدماً (الكارت بلانش)، وهي الوثيقة الحكومية التي تعني الرضا التام عنه من قبل الحكومة، وبذلك يضع يده بيد الوالي والألمان للسيطرة التامة على الحياة في القرية وتعمير الفندق، مثبطاً أي حركة للتجارة في وجه تلك الشركة التي ستحولهم مستقبلاً من بحارة إلى (جراسين) أو بائعي زهور للسياح، غير أن المشروع يتم، وتتحول القرية إلى فنادق فخمة وملاه وكازينوهات، في حين يبقى أهل القرية خارج الشريط مهمتهم التحديق بما حولهم عن أمور مدهشة، وقيادة الحمير للسواح الذين لا يرون في هذه القرية غير الحمير، ولا يلبث الأمين المقاتل القديم أن يخضع ويصبح بائعاً للتحف الشرقية، مرتدياً ملابس المهرج، عوضاً عن ملابس الحداد، ويتحول راعي الغنم إلى صاحب بعير يؤجره للسواح لأخذ اللقطات على ظهره في بلاد النوق والجمال، وتستمر عدسات العاريات الهولنديات في أخذ اللقطات للمصلين أثناء صلاتهم، وبهذا تدمر كل شواهد تلك القرية وتتحول إلى صالة لعرض البشر (المتخلفين) الذين هم أهل القرية، في حين تكبر المأساة وبموازاتها تتسع أملاك العمدة والوالي والشركات الألمانية التي تقوم باستثمار البحر والقرية وساكنيها.
في عام 1984 أخرج فيلم “الملائكة” من بطولة كمال الشناوي ومديحة كامل، الذي يتحدث عن علاقة بين ممثلين شباب ورجل أعمال. ثم توالت أعماله الأخرى مثل “شمبانيا مرة” عام 1988 و«السنونو لا تموت في القدس” عام 1994، ثم فيلم “الذاكرة الموشومة” الذي استعاد فيه جزءاً من الذاكرة التونسية التي تعود إلى الخمسينات من القرن الماضي.. وكلها أشرطة سينمائية ولوحات اجتماعية دقيقة التصوير بعدها يستعيد رضا الباهي طفولته لفهم الحاضر على نحو أفضل، ويتساءل في فيلمه /صندوق عجب/ 2003 حول الزمن الذي ينقضي، وإطار الأمس واليوم الاجتماعي، وعملية الخلق الفني، لملم رضا الباهي ذكريات الطفولة وجمعها في فيلمه الذي يتحدث عن تجربته السينمائية التي تعود إلى الخمسينيات من القرن الماضي. كمحاولة بصرية لاستعادة ذاكرة، وكمسعى فني إلى فهم تفاصيل الخاص والعام. ف(صندوق عجب) مزيج سينمائي جميل بين الماضي من خلال شخصية رؤوف، السينمائي الشاب الذي وجد نفسه، وهو منكبّ على كتابة سيناريو فيلم جديد، في مواجهة الماضي والحكايات والتشعّبات الإنسانية والاجتماعية والثقافية التي رافقت تفتّح وعيه الطفولي على عالم مختلف، في مدينة القيروان، قبل أعوام طويلة. كأنه، بهذا كلّه، يُعيد رسم الذاكرة التي عرفها رضا الباهي نفسه، أو التي عاش بعضا منها في زمن مضى، السيناريو لرضا الباهي والتصوير لبورقوس أرفينتيس والموسيقى للطفي بوشناق، وشارك في التمثيل هشام رستم ولطفي بوشناق وماريان بسلار وعبد اللطيف كشيش. الفيلم يروي قصة مخرج تونسي، يعيش مع زوجته الفرنسية على ذكريات حب مضى، هي ضاقت ذرعاً بالحياة في تونس وتريد العودة إلى عالمها الفرنسي وهو يحاول جاهداً، الإبقاء على سعادة عرفها في أحضانها، وعندما طلبت منها إحدى القنوات التلفزيونية الأوروبية أن يعد شريطاً سينمائياً يتحدث عن علاقته بالسينما حينما كان طفلاً، يتلقى هذا العرض المثير الذي يراجع من خلال كتابته كل التفاصيل الصغيرة التي مرّ بها مذ كان طفلاً. إنها عودة إلى الماضي، عودة إلى ما يتوق، إلى ماضيه كطفل، وكعاشق معاً.
يبدأ الفيلم، في القيروان مسقط رأسه، حيث عاش في كنف والد متشدد وتقليدي، لكنه يهرب من المدرسة ملبياً نداءات خاله الفنية، وهو يعرض أفلاماً سينمائية بعضها حقيقي، والبعض الآخر مفبرك، ولكنها تجتذب جمهوراً واسعاً من الأطفال، وربما يكون رؤوف أبرزهم وأشدهم شوقاً إلى الشاشة الكبيرة، هذا الشوق الجامح إلى السينما فجرّه خاله الذي أهداه بمناسبة ختانه الهدية السحرية (صندوق عجب) والذي لاحظ فيه الطفل رؤوف حركات الحصان البطيئة التي تتغير تبعاً لحركة المقبض الدائرية، لتنتهي به إلى حركات الإغراء النسوية التي تؤديها إحدى الممثلات، وإن الخال هو الذي يفتح أبواباً مشرعة لهذا الطفل الذي بدأ يكتشف نفسه، واكتشاف العلاقة مع الجنس الآخر. لقد تعرض رؤوف إلى قمع شبه متواصل من أبيه الذي كان يفرض عليه حتى شرب الحليب الذي لا يحبه، من جانب آخر، فإن الفيلم يسلط الضوء على العلاقة بين الزوج التونسي والمرأة الفرنسية، ويكشف لنا عن مدى الغربة أو الضياع الذي تعيشه مع زوجها الذي أحبته يوم كانت مجنونة على حد قولها، وركضت خلف نداءات قلبها المستهام بالحبيب الأول الذي باتت لا تطيقه الآن..
يكفي فتح (صندوق عجب) علبة الصور التي تتحرك وعلبة الذكريات المنتفضة التي لا يمكن لمسها، لتتبدى جرأة المخرج وإيمانه العميق بالأحلام القديمة من أجل تقبل أحلام الآخرين.في فيلمه (دايماً براندو) بطل الفيلم الأميركي الذي يصور في تونس يدور في القرية ويحاول اكتشاف الطبيعة ويراقب سكان القرية، وفجأة يتوقف عند رؤية أنيس فيشير إليه محدثا أحد مرافقيه “أنظر إليه، ألا يذكّرك بأحد؟”. “إنه يشبه مارلون براندو”.
ولم يكن هذا الأميركي سوى رجل شاذ كان يسعى بكل هذا الوهم الذي صنعه في مخيلة الشاب التونسي إلى تحقيق رغباته الشخصية. وعندما تضيق السبل أمام “أنيس” في الهجرة إلى أميركا بسبب قلة المال تبيع “زينة” خطيبته جسدها إلى صاحب دكان في القرية يعشقها مقابل توفير المال لحبيبها في السفر بعدما فشلت في ثنيه عن ذلك. وينتهي الأمر بأنيس مع مجموعة من (الحراقة) الحالمين بالهجرة على قارب يتجه إلى إيطاليا فيغرق في البحر مع رفاق الهجرة.محمد عبيدو

شعـــراء على حافة الهاوية

 قصص شعراء حكمت الجرأة مسارهم وحياتهم وإبداعهم وقضوا شهداء مواقفهم من السلطات الجائرة..
عندما كان تيمورلينك في عز انتصاراته، وقد وصل بجحافل جيوشه للشام، وقف مزهوا وبجانبه الشاعر كرماني، سأل تيمورلينك الشاعر: بكم تشتريني يا كرماني، ليرد عليه: بألف دينار. استغرب تيمورلينك وقال له: ولكن حزامي وحده يسوى هذا المبلغ. رد عليه الشاعر: وأنا أشتري حزامك فقط أما أنت فلا تسوى شيئا، ودقت عنق الشاعر.
وفي تشيلي، غداة انقلاب بونشيت الفاشي على حكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها الليندي، تم اعتقال الشاعر والمغني فيكتور جارا مع آلاف من المعارضين اليساريين وتم جمعهم في ملعب سانتياغو الرياضي، لتنهال البلطات الفاشية الهمجية وتقطع يدي فيكتور جارا، ويقول له الضابط: فيكتور جارا غن الآن غن غن للجنرال. وتصدح حنجرة المغني والشاعر بنشيد الثورة الأممي ويردده معه آلاف المعتقلين معه في الملعب بصوت وحنجرة واحدة.
ولم يكن يخفي الشاعر الروسي بوشكين ميوله الداعمة لحركة الديسمبريين الناهضة في الأدب والثقافة والفكر والسياسة والمعارضة للقيصر فما كان من هذا الأخير إلا أن دبر له مبارزة أوقعته قتيلا.
الشاعر متمرد نيابة عن الجميع، وفي الشعر مساحات لكل الهواجس والأحلام والحرية. الأمثلة عديدة، وشعراء متمردون كثر وقفت حياتهم على حافة الهاوية من باتريس لومومبا، الذي اغتيل، إلى شهدي عطية المذوب في سجنه بالأسيد، إلى غارسيا لوركا الذي اغتالته كتاب السلطات الفاشية التي أتت إلى الحكم بعد انقلاب على حكومة الجمهوريين اليسارية، وحتى بنيامين مونوليزي الذي أعدمته سلطات التمييز العنصري في جنوب إفريقيا.
إن الصراخ المحطم قطبان الزيت والتناغم من أجل الخبز اليومي والزهرة والحنان، من أجل أن تكتمل مشيئة الأرض المانحة ثمارها للجميع ويسبغ على الشعر الصافي قيمة سياسية ونضالية عظيمة تضع في الخندق الواحد جميع من استشهدوا في مواجهة الطغيان الفاشي والتسلط بكافة. إن المصير الذي انتظره الشاعر دائما، وهو الذي سيعلن عاليا في يوم ليس بعيدا جدا “سيصبح الناس أحرارا”.
محمد عبيدو