الأحد، 8 فبراير 2015

" راي " سيرة سينمائية لموسيقي اسود ضرير


محمدعبيدو
فيلم "راي Ray" (جيمي فوكس) عن حياة المغني الأميركي الأسود الضرير راي تشارلز (واسمه الكامل راي تشارلز روبنسون) الذي أصبح علماً من أعلام الموسيقى الأميركية. والذي ملأ أجواء الحياة الثقافية الأميركية وربما العالمية حضورا في موسيقاه الأصلية التي نشأت منذ القرن الماضي ومازالت تتواصل مجتذبة المزيد من عشاق هذا الفن الرفيع. وجمع ثروة قدرت بعد رحيله عن عمر يناهز الثالثة والسبعين بحوالي مائتين وخمسين مليون دولار . ومن بين ما يقال عن هذه الثروة الطائلة أنه تصرف فيها علي نحو غير مألوف، وأية ذلك أنه أفرد منها مائة مليون دولار لمؤسسة خيرية باسمه الحقيقي »روبنسون« أناط بها أمر رعاية الأطفال الصم لا العمي كما كان متوقعا.
والأغرب أنه لم يورث ابناءه وبناته وعددهم اثنا عشر ولدا شيئا مكتفيا بالتوصية لكل واحد منهم بمبلغ يوفر له أن يعيش حياة كريمة. وحجته في ذلك أن كثرة المال الذي يهبط علي شخص يقتل لديه الطموح والرغبة في تحسين الذات.
مخرج فيلم {راي } هو تيلور هاكفورد ذو الباع الطويل في عالم الإخراج وقد نال جائزة الاوسكار في أواخر سبعينيات القرن العشرين في جعبته عدد من الأفلام الجيدة مثل "ضابط وسيد" (1982) و" ليالٍ بيض" (1985) و"لا بامبا" (1987) و"محامي الشيطان" (1997) الذي تألق فيه الممثل الأميركي إيطالي الأصل آل باتشينو " راي " الذي انتزع مؤخرا جائزة الاوسكار لافضل تمثيل ورشح لستة جوائز اوسكار هو سيرة ذاتية درامية موسيقية تجسد خمسين عاماً من النجاح والتألق الفني والموسيقي للأسطورة راي شارلز، النجم الأسود الأعمى الذي نجح في تخطي عاهته ومآسيه العائلية تحول أسطورة لم تنطفىء حتى مع موته في حزيران الماضي، أن مخرج الفيلم تايلور هاكفورد قد عمل لسنوات طويلة مع راي تشارلز نفسه في الإعداد للقصة فالعمل على الفيلم بدأ وكان الرجل لا يزال حياً، وهو ساهم في رسم خطوط رئيسة فيه، واجتمع مرات عدة الى كاتب السيناريو جيمي وايت ومخرجه والى الممثل الذي اختير لأداء الدور جايمي فوكس، وكان يردد أمامهم جميعاً انه يفضل ألا يموت قبل مشاهدة الفيلم.وقيل انه عبر عن اعجابه بجيمي فوكس فإذا أضفنا الى هذا ان الابن الأكبر لراي تشارلز، راي روبنسون تشارلز جونيور، كان في عداد منتجي الفيلم، يمكننا ان نفهم اننا هنا أمام ما يشبه «السيرة الموثقة» لصاحب العلاقة. وهذا ما يعطي الفيلم صدقية كبرى قد تفتقر اليها أفلام كثيرة تتناول سير شخصيات عاشت خلال فترة أو خلال أخرى سبعون عاماً يقدمها الشريط في ساعتين ونصف الساعة، تروي مراحل حياته بشكل تسلسلي ، مع عودات متلاحقة بواسطة «الفلاش باك» إلى طفولة راي شارلز الفقيرة في جورجيا حيث معاناة أمه ومأساة عائلته ومرض نادر أصابه يطفىء نور عينيه وهو في السابعة من عمره. 
تبدأ أحداث الفيلم في أوائل خمسينيات القرن العشرين حيث نرى الشاب راي تشارلز متوجهاً في سياتل الولايات المتحدة للغناء في أحد النوادي هناك، كان يشعر انه في سياتل سيبدأ حياة فنية ما من دون أن يدرك، طبعاً، المدى الفسيح الذي ستوصله اليه تلك الحياة. وهكذا تتوالى امام ناظري المتفرج سيرة، معروفة الى حد كبير، وتكاد تشبه سيراً أخرى عدة في عالم فناني الجاز الاميركي من البائسين السود الذين كان عليهم أن يبذلوا جهوداً مضاعفة للخروج من وضعيتهم المزدوجة كأقلية في المجتمع الأميركي: أقلية كونهم زنوجاً وأقلية كونهم – بالتالي – فقراء. المختلف هنا، للوهلة الأولى، ان راي تشارلز كان ينتمي الى أقلية ثالثة، كونه ضريراً... لكنه – وهذه اشارة رائعة في الفيلم – كان ضريراً من دون عصا ومن دون كلب. لماذا؟ لأن حاسة السمع لديه حلت مكان حاسة النظر،. وهكذا، يدفعنا الفيلم الى ملاحظة كيف ان راي يستمع الى اصوات لا يقيض لغيره الاصغاء اليها. ومن هنا، طبعاً، حسه الموسيقي المذهل. وهذا الحس قاده الى مهنته التي ستبدأ مع بداية الفيلم
قد نجح الفيلم بالفعل في أن يقدم صدقا فنيا يصنع من خلاله تفسيره الخاص للشخصية الفنية والإنسانية لراي تشارلز، لقد كان هناك تناقض جوهري بين صورة راي تشارلز الفنان على المسرح الذي تراه بابتسامته العذبة وهو يغني فكأنه يحلق وسط السحاب، وصورة راي تشارلز الإنسان في تفاصيل حياته وعلاقاته ، وهو الأمر الذي يمكن أن تفسر جانبا منه في قسوة الحياة التي عاشها مما دفعه للتعامل مع الحياة بقدر اكبر من القسوة , قدم المخرج مرحلة الطفولة بمناخ درامي مختلف تماما عن المراحل الاخرى في حياة راي : فباستعادته الماضي , اختار المخرج أن يصور البيئة الفقيرة بألوان غامقة تميل الى البؤس وتظهر الألم وتلتقط قوة الارادة لمواجهة القدر... وعن طريق الفلاش باك نعود إلى مراحل مبكرة من حياة هذا المغني الذي ولد عام 1930 في مجتمع زراعي فقير للغاية إلى حد قال عنه هو نفسه لاحقاً: (حتى بالمقارنة مع السود الآخرين، كنا في أسفل السلم الاجتماعي، وكنا ننظر إلى كل شخص آخر في الأعلى، ولم يكن تحتنا إلا الأرض) وتوفي والده وهو في السابعة تاركا اياه وشقيقه الأصغر مع امه التي خرجت تجني القطن في حقول أغنياء جورجيا البيض , بينما كان طفلها الأكبر يتسلل الى الكنيسة الفقيرة ليسمع عزف البيانو من زنجي عجوز , وبعد فترة بدأ العجوز يدربه بعد ما اكتشف مرونة اصابعه الصغيرة . وسط هذا الجو القاتم أبصر راي، وكان في الخامسة من عمره آنذاك، أخاه الصغير وهو يغرق أمام عينيه، وفي السابعة من عمره فقد بصره.
ومع ذلك، ورغم حادثة غرق أخيه التي تركت في نفسه أثراً بليغاً سيلازمه في مراحل لاحقة، ورغم فقدان هذا الطفل (يؤدي دوره في تلك المرحلة سي جي ساندرز) بصره، رفضت أمه وتدعى أريثا (تؤدي دورها شارون وورين) ان تفسده بالدلال وآثرت ان تظهر له الجانب الخشن والقاسي من حبها لتزرع فيه ملكة الاعتماد المطلق على الذات، كانت تراقب طفلها الأعمى يتعثر ويقع دون ان تحرك إصبعاً لمساعدته، وتتتبع والدموع تملأ عينيها كيف سيعتمد على نفسه في النهوض، هذا الحب القاسي ساعده كثيراً إلى حد انه لم يعمد إلى استعمال العصا التي يستعملها العميان، وبالتأكيد لم تكن حالته المادية تسمح له بالاعتماد على كلاب إرشاد العميان، والأهم من ذلك، ساعده حب أمه القاسي على الاعتماد على أذنيه وعلى حاسة اللمس للإمساك بحشرة والاستمتاع بأزيزها، وستبقى صورة قسوة أمه رمزاً للقوة في مخيلته في مراحل لاحقة يسترجعها في مراحل صعوده وتألقه وانحداره. ويتتبع الفيلم صعود نجم راي موسيقيا حيث نرى ثورية موسيقاه وألحانه، التي خلطها بنسب متفاوتة، بين «السول» والبلوز، والألحان الدينية، التي تعزف في مراكز العبادة داخل الولايات المتحدة بهذا المعنى كان شخصه وفنه، يقومان على علاقة جدلية شديدة الحساسية، وتنشد آفاقاً تعبيرية خارقة وابداعية، تؤلفه ويؤلفها على الدوام ,ويرصد علاقاته النسائية ، وكيف عاش خلال تلك الفترة العديد من القصص العاطفية التي يأخذ فيها الجنس جانبا اكبر من الحب 
في سياتل يتعرف راي الشاب على كوينسي جونز الذي سيصبح صديق عمره، ويشكل ثلاثياً موسيقياً كانت المغنية مارلين أحد أطرافه ومديرته في الوقت نفسه، وقامت علاقة حب بين راي وبين مارلين “كيري واشنطن” التي سوف يتزوجها وان كانت تظل تتألم في صمت بسبب تعدد علاقاته مع نساء أخريات، مثل مغنية الكورس ماري آن فيشر “اونجوان ايليس” التي سرعان ما تستقل عنه لتصبح مغنية منفردة، ومثل فتاة الكورس الأخرى مارجي هيندريكس “ريجينا كينج” التي سوف تموت بسبب جرعة زائدة من المخدرات تاركة له طفلا غير شرعي.
كما يتتبع انجراف راي الى عالم الهيرويين والادمان عليه مما يؤدي به إلى السجن في أحيان كثيرة، لكن الفيلم يؤكد لك انه عاش نضالا قاسيا مع نفسه لكي يقلع عنها , ويتقفى مراحل مؤلفاته الموسيقية وحفلاته وعقوده مع متعهدي التسجيلات الموسيقية وعلاقاته المالية..مدة الفيلم ساعتان و نصف استطاع المخرج في هذا العمل ان يمسرح السينما اذ انه جمع بين استعراضية المسرح التعبيرية، من حيث الفضاء الذي تتحرك في اطاره الشخصية «المركزية» والسردية الواقعية التي تتمتع بها السينما فتحولت الكادرات الى ما يشبه المنصة الواحدة، اللحظة الاجتماعية السياسية الى جانب اللحظة التعبيرية، حتى يبرز الفرد اي «راي» يخترق هذه وتلك ويرتفع بهما الى مصاف شفافة وآسرة بشغفها الفني والانساني. 
الفيلم لن ينسى أن يضفي على بطله الزنجي الذي قاسى في طفولته عقدة اللون العنصرية والعزلة والقسوة وفقدان البصر مسحة “سياسية”، فهناك المشهد الذي يرفض فيه “راي” خلال الستينات أن يغني في مسرح يتم فيه عزل الزنوج في أعلى الصالة، مما أدى إلى صدور قرار بمنعه من الغناء في ولاية جورجيا، لكن هذا “النضال” سوف ينتهي في المشهد الأخير من الفيلم، بمشهد تقوم فيه ولاية جورجيا بالاعتذار له وتكريمه عام ،1979 ليتقرر بعدها أن يكون النشيد الرسمي للولاية هو أغنية راي تشارلز “جورجيا في عقلي”.
الممثل الذي أصبح نجما ساطعا من خلال بطولة فيلم "راي"، والاشتراك مع توم كروز في بطولة فيلم "بصحبة قاتل" انه الممثل جايمي فوكس الذي استحق بجدارة جائزة الأوسكار كأفضل ممثل لهذا العام، صاحب التجربة الغريبة والفريدة في عالم التمثيل الذي لم يدخله إلا منذ أعوام قليلة وبالمصادفة البحتة مع فيلم اوليفر ستون " أي يوم أحد" وكان حينذاك في بداية الثلاثينات من عمره، وذلك بعد أن تنقل في مهن فنية عدة تتراوح بين الغناء وعزف الموسيقا أو حتى إلقاء النكات في النوادي الليلية وبعض البرامج التلفزيونية الكوميدية الخفيفة. اما اجمل ادواره فكانت تلك التي اعطاها له مايكل مان: مرة في «علي» الى جانب ويل سميث الذي جسد شخصية الملاكم الشهير محمد علي كلاي (2001) وكان جايمي فوكس يجسد أدواراً ثانوية لا تدنو الى مستوى البطولة، من دون انكار اهمية تلك الادوار لقد كانت هذه التجربة تمثل رصيدا عنده، أضاف له قدرة هائلة على تقمص شخصية “راي تشارلز”.. فعندما ترى فوكس وهو يؤدي الدور على الشاشة فكأنك ترى بالفعل “راي تشارلز” الحقيقي في حركاته وسكناته وطريقة نطقه للكلمات أو أدائه الأغنيات ولتتأمل في هذا السياق تلك اللحظات التي يجلس فيها أمام آلة البيانو وقد تقوس ظهره بينما امتد عنقه إلى الأعلى وتماست أصابعه مع مفاتيح البيانو حتى انه والآلة الموسيقية يتحولان كيانا حيا واحدا.
وتجدر الاشارة الى ان جيمي فوكس استطاع ان يجسد كل ذلك عبر اداء اضفى على الفيلم مرحه وعمقه، واوصل فيه صورة ذلك المغني المولع بالنساء والمدمن على الهيرويين الى مصاف الواقع، ونقل حالة راي تشارلز الى الشاشة على نحو مؤثر يفسر ربما كيف تحول ذلك الضرير، الذي عرف نقاط ضعفه لكنه رفض حتى مناقشتها الى أسطورة من اساطير الغناء نزفت آلامها على اصابع البيانو.
ادى جيمي فوكس الدور بتألق، دون ان يقع في فخ التقليد للشخصية التي يمثلها، هذا لا يعني انه لم يلتقط مفاتيح الشخصية على العكس ، التقطها وعمل عليها كممثل يعبر عن سيرة راي من وجهة نظره، او من احساسه كممثل بهذه الشخصية ومداها واتساعها، فمن الصعب جداً فصل هذا الشريط عن بطله تماماً كصعوبة التفريق بين جيمي فوكس وراي شارلز.
يبقي لي أن أقول إن "راي" عبر عن امتنانه لمخرج الفيلم بقوله قبل أن يجيئه الموت بقليل أنا علي يقين بأن "تايلور" قد أنجز عمله علي خير وجه وصور حياتي كأفضل ما يكون وأريد من المشاهدين أن يستوعبوا جيدا جميع الأحداث والظروف الصعبة والسهلة التي ذخرت بها حياتي بمعني أن حياتي قد انطوت علي العديد من الأحداث السعيدة. ولكن في المقابل كانت هناك أحداث درامية مؤسفة لا تستطيع أن تتغلب عليها إلا حين يكون أمامك طريق محددة تعرف حدودك فيها علي وجه اليقين. ولقد كان طريقي طريق الروح ولأن الروح تسمو بالموسيقي كانت هي طريقي.
وفي اعتقادي أنه لو كان في وسع "راي" أن يري "فوكس" متقمصا شخصيته لزاد ذلك من غبطته ولأسلم الروح وهو أكثر سعادة واطمئنانا علي أن سيرته قد أصبحت حديثا من أحاديث التاريخ السينمائي الغنائي ستحفظه ذاكرة الأيام ولن يمسه أبدا النسيان !!
" راي " شريط يشبه حفلا موسيقيا حياتيا نتابع خلاله مراحل حياة راي شارلز الحافلة بالمصاعب والمآسي والعاهات الجسدية والنفسية والمتألقة بالابتكار الفني من خلال اسلوبه الذي مزج موسيقى الغوسل الديني بالكاونتري ميوزك والجاز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق