الخميس، 5 فبراير 2015

“الجمال العظيم” لمخرجه “باولو سورنتينو”.. السينما الساحرة


كان متوقعاً أن يحصد الفيلم الإيطالي “الجمال العظيم” لمخرجه “باولو سورنتينو”، جوائز المهرجانات، فقد لاقى احتفاء كبيراً من النقاد واستقطب عدداً هائلاً من المشاهدين، وهوالذي تعمّق في زوايا انحدار الطبقة المخملية المدللة من المثقفين والمترفين، بتركيز على البذخ والبحث عن الجمال والحب، إننا هنا، وبعد كل شيء، أمام فيلم ينتمي إليه مباشرة، يحمل نظرته إلى روما وقلقه وأسئلته، كان إطار حبكة الفيلم. في قلب هذه المدينة الرائعة والمهيبة وبكاميرا سورينتينو، تكتئب الأرستقراطية الإيطالية المتشائمة وخائبة الأمل. يعبر المخرج عن خيبة أمله العميقة التي يغذيها الملل الذي لاحظه بعدما حضر مرات عديدة غرابة أطوار الأمسيات الرومانية من أجل إعداد فيلمه.
يقدّم فيلم “الجمال العظيم” لوحةً بصرية متوهجة لمدينة روما المعاصرة، من خلال قصة الصحافي جب غامباردلا (جسّد شخصيته النجم الإيطالي توني سيرفيلو) كاتب مشهور ليس له أعمال أدبية عديدة إلا أنه صنع لنفسه مجدا وأبهة بعد نشر رواية واحدة فقط لاقت رواجا كبيرا، فأصبح أحد الرموز المهمة في المهرجانات الأدبية. نتعمق معه في رحلة تأملية أشبه بالخيال تجسيدا لمقولة الكاتب الفرنسي الراحل (لويس فرديناند سيلين): السفر أمر مفيد للغاية للخيال، بينما الباقي هو الألم والوهم” تقدّم به العمر، وهو يستمتع بالحياة الاجتماعية للمدينة، متنقلاً من حفلة صاخبة فاخرة إلى أخرى، والكل يحتفي ويرحب به. لقد تعب من أسلوب الحياة هذا، وتنتابه أحياناً رغبة معاودة الكتابة، وهو مسكون بألق شبابه المتقد الذي لا يفارقه. لكن بعد عيد ميلاده الخامس والستين أدرك أنه بالرغم من حياة الترف واللهو والزخم التي يحياها طوال حياته لم يلبث بعد أن يدرك الجمال العظيم الذي تحويه الحياة وخلف مآسيها وأوجاعها وهمومها والتي لم يفكر فيها يوما وقرر أن يعيد اكتشافه من جديد على طريقته الخاصة وربما يكون هو الطريق لعودته مرة أخرى للكتابة بعد أن انقطع عنها لعمر طويل. يمشي من خلال الأنقاض وشوارع المدينة، ويواجه الشخصيات المختلفة، والتي تنعكس على حياته، نرى هناك صديقه الحميم، الكاتب المسرحي ورئيس تحرير مجلة الأم، شخص حاد الذكاء، وعشيقته رومانا، وسابرينا ابنة أحد السياسيين المحليين البارزين. هناك أيضا بانوراما غنية من الشخصيات الجانبية: الكاردينال الكاثوليكية، ومراهق نصف مجنون، الروائي الشيوعي، الساحر الذي يجعل الزرافة تختفي، المرأة المتصوفه. وفجأة أصبح إنسانا ناضجا تنتابه هواجس حول نمط حياته، يفكر في حياته الماضية والحنين إلى روما، وهذا الوضع يدفعه ضمنا إلى مجابهة الفشلين الكبيرين في حياته: الرواية التي كتبها قبل زمن غابر وحققت له نجاحاً ومكانة ثم “أخفق” في كتابة غيرها، والصبية التي لم يتمكن من الاستجابة إلى غرامها حين كان شاباً في التاسعة عشرة من عمره، ففقدها ومن وقتها لم يجد امرأة توازي من أحبها، وبفقدانها سيمكن له وقد أضحى عجوزاً، أن يكتشف أنه فقد كل شيء.
يصحو في نهاية المطاف على حياة بسيطة خارجة عن إرادته، وأنه الآن يجب مواجهة الأمور مثل الأذى، والندم والخسارة و، نعم، حتى الموت. الجمال العظيم هو ليس فقط ملذات مكان مثل روما. إنه حياة كاملة وأحزان الجميع.
ولد المخرج والكاتب الإيطالي 31 مايو 1971 نابلس، كامبانيا، إيطاليا. ولكن منذ أن كان عمره 19 عاماً حمله حلمه بالمشاركة في السينما إلى روما، عُرض أول عمل روائي طويل له في “مهرجان فينيسيا السينمائي”وجاء بعنوان “وان مان أب”2001، وفيلمه “تبعات الحب” 2004 تدور قصته المحبوكة بذكاء حول جريمة، وتتخلله لمسات من الكوميديا الساخرة. الشخصية الأساسية في الفيلم والتي يؤديها الممثل البارع توني سيرفيللو، لشخص في الخمسين من عمره مهووس بنظام حياته الدقيق الذي لا تشوبه شائبة. فهو يعيش في الفندق نفسه منذ ثماني سنوات ويجلس دائما على الكرسي نفسه ويمضي يومه وفق الروتين عينه، إنه بصمته وهندامه الأنيق، شخصية غامضة، غير أن تعاطيه الهروين - مرة واحدة أسبوعياً في اليوم نفسه - يشير إلى جانب مظلم وخفي في حياته، لكن الأمور تبدأ بالانفلات وتبدأ أسرار ماضيه بالظهور وخاصة بعدما ينجذب، وإن بتردد، إلى نادلة جميلة وبعدما يرتكب بعض الأخطاء التافهة. نال فيلمه “النجم” 2008 جائزة لجنة التحكيم الخاصة في “مهرجان كان السينمائي”. في “النجم”  رؤية على حياة أحد أشهر السياسيين الأوروبيين وأكثرهم إثارة للجدل “جوليو أندريوتي” الذي استطاع العودة إلى سدّة القوة كرئيس الحكومة سبع مرات بين الأربعينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وفي أجواء تذكّرنا بأعمال “سكورسيزي” الكلاسيكية وإبداعات “فيسكونتي” البصرية، يروي المخرج الإيطالي القدير “باولو سورنتينو” قصة لا تشبه بأي حال السير الذاتية التي اعتدنا على مشاهدتها في الأعمال السياسية السابقة. رواية معقّدة وأحياناً غامضة عن عالم السياسة الإيطالية التي هيمن عليها “أندريوتي” على مدى ما يقارب نصف قرن من الزمان. يندرج في خانة الفيلم السياسي أجواء السخرية والفكاهة والتجريد، ويجمع بين الأسلوب الوثائقي والدراما سريعة الإيقاع، ويقدّم جرعة بصرية حادّة تعكس بشكل سريع مآثر “أندريوتي”ومغامراته التي أدخلته في فوضى الاتهامات بالفساد والدسائس والصفقات المريبة.. ثم فيلم “صديق العائلة”، وفي العام الفائت “لا بد أن هذا هو المكان” الذي صوره في أميركا من بطولة شون بين.
الجمال العظيم “The Great Beauty”
إخراج: باولو سورنتينو
إنتاج: 2013
زمن العرض: 142 دقيقة
اللغة: الإيطالية
فاز الفيلم بأفضل فيلم أجنبي في جوائز الأوسكار 86، وكذلك غولدن غلوب وبافتا. وبجوائز الفيلم الأوروبي لأحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن ممثل وأحسن مونتاج في 2013. عرض عالميا لأول مرة في المسابقة الرسمية لمهرجان كان. 
محمد عبيدو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق