الجمعة، 27 يناير 2017

"العائد " صراع ضاري لعائد من الموت من اجل البقاء

محمد عبيدو

فيلم "العائد "   The Revenant  من إخراج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، وسيناريو مارك إل سميث وإيناريتو،  و من بطولة ليوناردو دي كابريو وتوم هاردي وويل بولتر ودومينال غليسون ..مقتبس من رواية بنفس الاسم لمايكل بنك ، كان قد قدمها  ريتشارد سرافيان” بفيلم حمل عنوان “رجل في البرية” عام 1971 من بطولة النجم السينمائي البريطاني ريتشارد هاريس . عبر  156 دقيقة من المشهدية البصرية تدور أحداث الفيلم عام 1823 ، حيث حرب التطهير العرقي للهنود الحمر ، وحيث الصراع مع الطبيعة والصراع مع الجشع البشري ، حول صائد دببة يعمل لمصلحة شركة متخصصة في بيع فراء الحيوانات، هيو غلاس (دي كابريو) - عبر أداء متميز من ممثل تمكن على الدخول فى أعماق الشخصية والعالم المحيط - الذي تزوج من هندية قتلها البيض وحرقوا قريتها، بعد ان أنجب منها ولدا ، يكافح للبقاء على قيد الحياة بعد ان يهاجم ورجاله  من قبل مقاتلي قبيلة الراي الفتاكة خلال إحدى رحلات الصيد  وبعد رحلة هروب عبر النهر وبالغابة ، يبتعد قليلا عن المجموعة ليتعرض فجأة لهجوم من قِبل انثى دب تدافع عن صغيرها ، في مشهد طويل ومصنوع بدقه وروعة، تبدأ الدبة في نهش جسده البشري قطعة قطعة، ويستطيع بعد جولات من العراك أن يقتلها بسكين وهو في الرمق الأخير.، ثم يسقط بين الحياة والموت، وقد قطعت مخالب أنثى الدب أوصال صوته ومزّقت جسده وكسرت ساقيه ليفقد النطق والحركة إلى مسافة بعيدة من زمن الفيلم. تناوب رفاقه الناجين على حمل غلاس، وبعد ازدياد صعوبة الرحلة قرّر الكابتن أندرو قتله (يؤدي دوره الممثل دومينال غليسون) ، لكنه في لحظة سيتراجع ويتركه برفقة هوك؛ نجل غلاس، وبريدجر وفيتزجيرالد  , بعد ان يخصص لهم مكافأة لقاء حراسته وإيصاله لمعسكرهم اما حيا او مع جثته ليلقى جنازة معتبرة . ثم يطمع فيتزجيرالد فيحاول خنقه وعندما يفاجئ بابنه الذي ينتمي لأم من الهنود الحمر، مستبسلا للدفاع عن ابيه يطعن الابن ويقتله . ليفر عبر البرية التي يجتاحها الشتاء القارس، مع الفتى ضعيف الشخصية الخائف (جيم بريدجير) تاركا الأب المفجوع وحيداً مقبوراً في الغابة الموحشة ، و شاهدا لا يقوى على الحديث لجرح نافذ في حنجرته، إلا أنه يصر على تجاوز ألمه وجروحه ويزحف فى اتجاه ابنه القتيل محتضنًا إياه فى مشهد إنسانى مؤثر .. يقاوم غلاس الموت بعناد،وينجو ويمضي زاحفا في البداية ثم ماشيا عبر رحلة طولها 320 كيلومتر للإنتقام من الذين خانوه وإيجاد الرجل الذي قتل إبنه. يقول بأحد مشاهد الفيلم: طالما لديك القدرة على التنفس فقاوم،وفي الرحلة الدموية يعيش متشبثا بالحياة بمعاناة قاسية وسط صقيع برد قارس يقاوم فيها الحيوانات الضارية والانهار المتجمدة والصخور والشلالات والهاويات ، يتشارك مع هندي اخر أكل أحشاء حيوان ميت ويرافقا بعضهما جزءا من الطريق ، و ينقذ ابنة زعيم هندي من ايدي خاطف فرنسي يحاول اغتصابها . و طول الفيلم  يمنحه شبح زوجته القوة والشجاعة  كلما خفتت. ليصل في النهاية الى رفاقه ، وينضم لقائد الجماعة مطارداً الرجل الذي خانه وغدر به .

يعتبر أليخاندرو غونزاليس ايناريتو من اهم مخرجي السينما الحاليين ، و سبق له أن نال أوسكار أفضل مخرج وأفضل سيناريو وأفضل فيلم للعام 2014 عن فيلمه "الرجل الطائر "، في فيلمه العائد يمضي مع روح الفن السينمائي ليعرض سردا  بصريا مذهلا يشكل بنية تشكيلية سينمائية يذهب بها الى أقاصي الأرض للتصوير، المجازفة الى حد الخسارة او العودة بتحفة فنية ، تُعيد بدلالاتها الإنسان إلى صور الطبيعة البكر  يروض عبرها المكان المقفر والأجواء القاسية ,  ليستخرج منها مكامن الجمال بمشاهد  قوية ومبتكرة. حيث تمكن مدير التصوير المبدع ايمانويل لوبيزكي ، الذي عمل عدة مرات مع المخرج المبدع ترانس ماليك، في تحويل  البعد الطبيعي من تشكيل ديكوري  إلى فاعل رئيسي في الروي السينمائي. جعلت ليوناردو ديكابريو يشبه تصوير الفيلم أكثر من مرة بأنه أقرب للوثائقي حيث كل ما يشاهد على الشاشة هو تقريباً ما يحدث في الواقع .. العائد فيلم تكاملت فيه كل عناصره من التصوير الى التمثيل ورسم حركة الممثلين داخل الكادر،والموسيقى التصويرية التي قام بتأليفها كل من الموسيقي الياباني ريويتشي ساكاماتو والألماني ألفا نوتو،والاخراج لنبقى من تحفة تنضم  الى كلاسيكيات السينما .

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق